Tahawolat
"متاهة" بستان فاكهة ما تحت السرّة
الفنانة فاطمة مرتضى على حافة الصدمة والتحدّي

دخلت فاطمة مرتضى في "متاهتها" من باب سري. من باب حرون لا يطيع لها كيفما ترغب لأنه عصي وعميق في الروح. من باب شهوة ربما هي الحياة كلها.
تناولت مرتضى بجرأة نادرة الجانب السري من حياة الكائن الإنساني الخاص، المرأة، بلوحاتها الـ44 صدمت مشاهديها فأخذتهم معها إلى عالم مسكوت عنه. ربما يتهامسون فيه، لكنهم ربما أيضاً لا يجرؤون على البوح عما يخطر لهم.
"متاهة" عنوان معرض الفنانة مرتضى في غاليري مارك هاشم، وسط بيروت، فن للتحدي. يعكس اسرار النفس الانسانية، يكشف خباياها ومكنوناتها، الظاهر منها والخفي، الشعوري واللاشعوري، المبهم والواضح، الماضي والحاضر، ففي رؤى مرتضى بحث عن قيم جديدة لإنسانية حرة، وكسر لقيود سائدة كثيرة للروح والجسد.
هنا حديث لها هذا نصه
حوار: محمد الحاجم

 
تحدثت مرتضى كيف يتولد إحساسها، فقالت: "هناك ثمة إحساس وهواجس داخلية، تولد هذه الشرارة في داخلي، فأستخدم مواد مختلفة في بناء اللوحة لأنسج فكرتي وأرغب أن تكون متكاملة، آخذة القاعدة الشهيرة reality in multi made and compose ، فالحقيقة مركبة من طبقات عدة. اشعر انني أنقل حقيقتي وإحساسي، لذلك، أدخلت النسيج في تقنياتي، فهو أقرب للحقيقة، أقرب لحقيقتي أنا، حيث لا توجد حقيقة واحدة. أردت في بناء اللوحة من النسيج وهو حميم تقليدياً للنساء اللواتي يعملن في البيوت، أن أبحث عنها في الفن التشكيلي، وفي علاقته بالفن وأن أقدم للفن شيئاً جديداً".
عن كون لوحاتها مواضيع جنسية، قالت: "انا احب الفصل بين الجنس كممارسة sexuality وبين الجنس كهوية نوعية. وهي ليست فعل ممارسة الجنس كما نرى على شاشة التلفزة، بل لها علاقة بهويتنا اكثر مما لها علاقة بتعريف الذكر والانثى بمجمعاتنا ككل، مجتمعاتنا العربية تحديدا. لذلك مواضيعي لها علاقة بتكوين هويتنا الجنسية بما ان الانسان كائن جنسي يمارس الجنس، وعنده نزوع جنساني معين. لوحاتي تتطرق الى هذا الموضوع وما يعتبر محرماً taboo)) يصبح هاجساً عند الإنسان العربي، ولكن ليس له علاقة بالبورنوغرافية أو الصورة الغرامية".
وكيف كانت صورة المرأة في لوحاتها، تقول: "صورة المرأة والرجل في هذا التصوير للدلالة أن هناك ازمة، والازمة أريد أن أعكسها على ما ظهر من الجسد، وما تعكسه السيكولوجيا على الجسد، وتكوينه، والا لن استطيع اظهار هذه الازمة".
عن صورة المرأة على شكل غراب، قالت: "الغراب لديه قصة، فالغراب بلسان العرب جذر مشتق من غريب، والغراب غريب بين الطيور، كما أن المرأة كائن غريب في هذا المجتمع، وهي المصبوبة عليها المعاناة بأكملها".
وعن حكايتها مع انتقاء الألوان قالت: أما بالنسبة للالوان فليس لدي مشكلة، لاني لا أقدم اعمالاً تلوينية بالمعنى التقليدي، بل اركز اكثر على الخط، وعلى النسيج في اللوحة. احب ان اعطي غنى للوحة، وهناك القليل من التلوين. ولكن ليس بشكل مركز عليه.
للأسطورة جمالية خاصة

وعن سر وجود الأساطير رأت أن "الاساطير تبحث فكرة فلسفية معينة تتناول وجود الإنسان مثلاً فتبقى آلاف السنين، والاسطورة ذات جمالية خاصة. لكننا نتعامل معها وكأنها هابطة من عالم آخر برمزيتها ومعانيها الدلالية".
انا حرة من المدرسية
وجواباً على سؤال "لأي مدرسة تنتمين؟"، قالت: "ليس هناك مدرسة معينة. انا خرجت من التعبيرية. فالمدارس صارت متداخلة بينها وليس هناك حدود فاصلة، انا لا احب ان انتمي او أتقيد بمدرسة واحدة، بل أحب ان أبقى عصفورا طائراً بينها جميعا، بلا قيد او حد".
فن للثورة وتحطيم كل ما يعيقه
و"أية قضية من خلال الفن تحملين"، قالت بحدة: "اود ان احطم النظام، يعني الاعراف والتقاليد والديانة. اريد ان احطم هذا النظام يعني الثورة قد تكون ثورة فكرية، ثورة جنسية.. هذا ما اقصده، والا كنت صورت لك المرأة للإغراء والإثارة.. وهي دعوة مني للتمرد والا كيف نريد اسقاط النظام الفكري السائد في مجتمعاتنا الذي هو اهم حتى من النظام الطائفي، فإذا سقط النظام الفكري فسوف يسقط كل شيء خلفه ويرحل ولن يترك لنا شيئاً من أثره، ويمكن ان نكون في مجتمعات حيوية ديمقراطية ولكن النظام الذي نفكر فيه ليس كذلك. انا انظر الى المرأة على انها انسان قبل أي شيء آخر، المرأة والرجل متساويان نحن لا يمكن ان نعالج المرض ما لم نعرف ان نحدده او اذا كنا نجهله".
لبنان يقتل الطاقات
وسألت: لماذا لم تكملي دراستك في لبنان؟، قالت: "لان الانفتاح الفني والتطور الفكري والثقافي الموجودان في الخارج متاحان. لقد سافرت الى بلد (بريطانيا) يقدم لي ما لا يمكن ان يقدمه لبنان، لقد تكلفت وذهبت وتميزت وقدمت ما لم أستطع أن أقدمه في بلدي. ليس في لبنان حرية فكرية فكثير من أعمالي رفضها أساتذة في الجامعة. أين حرية الفن في هذا البلد؟ لقد سافرت وكرمت في بلد لم يستطع بلدي أن يقدمه لي. أسأل لماذا إذا خرجنا من بلادنا نتميز ونكرم؟؟".
تباشير فن حقيقي لبناني
وعن رؤيتها للساحة الفنية اللبنانية قالت: "هي جيدة، ومن الممكن ان تتسع لكل الفنانين الذين سافروا وقرروا الحياة في الخارج، نحن لا نستطيع ان ننكر انه فكر متطور. اليوم هناك تغير. انا ارى الكثير من الفنانين والشباب قد خرجوا من هذا الاطار. هناك تباشير فعلية وانتظر ان ينعكس الربيع العربي على الفن اليوم، اؤكد ان هذا الشيء سوف ينتهي وبأنه سوف يكون هناك حرية".
 
وعن احتمال نقل معرضها إلى مناطق مثل صيدا وصور، قالت: "من الممكن، ولكن حاليا ليس في ظل الإرهاب والقمع الذي يتعرض له العالم العربي، لكنني متفائلة فالمستقبل لنا ونحدد من سيحدد المستقبل وسوف يسقط كل شيء ويبقى الإنسان" .
في أول معرض لك هل كان تخوف من ردة فعل سلبية؟ وهل كان أسلوبك معرضا استفزازيا ربما؟؟
لا أستطيع ان أكذب على نفسي فأنا مقتنعة بهذه الرسالة وسوف اعمل على أن تكون سائدة وأن اكون من روادها. كنت أعتقد بإمكانية ردة فعل سلبية وأن يكون هناك هجوم ونقد قاس، لكنني رغم صغر سني لا أرى غير ردود إيجابية".
حالة صراع
وجواباً عن "هل تعيشين حالة صراع؟"، تقول: "نعم أعيش في حالة صراع، أشعر أنني ممزقة في الوطن، واحياناً لا أشعر بالوطن، هذا تزعزع بالهوية صراع بين الذات والذات. أسأل نفسي هل لم أعد لبنانية؟ هل أصبحت نصف بريطانية؟ الهوية شيء يحدث كل يوم. نحن من نصنع الهوية، الهوية أنتمي إلى كل مكان ولا أنتمي إلى مكان. علينا أولا أن نعرف ما هو الإنسان.
 وعن كيف عبرت عن الوطن بلوحاتها، قالت: "احياناً بالمرأة واحياناً بالرجل، ولكنه غائب بكثير من المرات".
الرجولة والأنوثة إعادة نظر
وقالت "مفهوم الرجولة ومفهوم الأنثى يجب أن يُعاد النظر فيهما ممن يفهمون المعنى التقليدي للأنوثة. ما هي المرأة؟ المرأة إذا كانت سيدة نفسها او متاهات، هي متاهة لنا، نحاول أن نفرغ المفهوم التقليدي لها. اذا كانت تنتج على ذاتها فهي رجل والرجل الذي يبكي نقول عنه مخنث. الرجل قد تمر عليه بعض الاشياء لا يستطيع ان يتحملها، لكني ركزت في البداية على المرأة، ومعرض ثان يكون عن الرجل، فهو لديه حرية تعبير عن غرائزه أما المرأة فليس لديها كامل الحرية ان تعبر عن شهواتها".
 
فاطمة مرتضى في سطور
درست مرتضى في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، في العام 2007 وبعد حصولها على الدبلوم. قررت أن تسافر لتكمل دراستها في العام 2009 لمتابعة الماستر.
وهناك تلقت منحة لاكمال الدكتوراه لثلاث سنوات، وهي الآن في السنة الثالثة منها.