Tahawolat

في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول، أعلنت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب. وكان المقصود بالإرهاب تنظيم القاعدة وحركة طالبان. امتلكت القاعدة الأيديولوجية والخلايا النائمة وإمكانيات للتعبئة في جميع أنحاء العالم، بينما امتلكت طالبان الأرض في أفغانستان وولاء بعض القبائل الأفغانية. هاجمت الولايات المتحدة أفغانستان واحتلتها وأطاحت بنظام طالبان واستبدلته بحكومة منتخبة. اعتقد معظم المراقبين آنذاك، أن القاعدة هُزمت تمامًا، وبالتالي تم القضاء على الإرهاب. كما اعتبر المراقبون أن هجمات 11 أيلول كانت الهجمات الإرهابية النهائية، وخصوصًا أنها أعقبت الهجمات على مركز التجارة العالمي في نيويورك في عام 1994، وعلى سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في عام 1998، ناهيك عن تفجير المدمرة الأميركية (يو إس إس كول) قبالة الساحل عدن في عام 2000.

ومع ذلك، لم تتوقف الهجمات الإرهابية بعد 11 أيلول، حيث نفذت القاعدة هجمات في إندونيسيا والهند وباكستان والمملكة العربية السعودية والمغرب وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة ودول أخرى.

عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 أعلنت أن أحد أسباب الغزو هو القضاء على المنظمات الإرهابية، لاسيما تنظيم القاعدة. لكن وبعد مضي 18 عامًا، امتد الإرهاب إلى سوريا والعراق وليبيا واليمن وشبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى الصومال ومصر والعديد من البلدان.

في سوريا والعراق، تحول الإرهابيون من خلايا نائمة إلى جيوش نظامية مجهزة بأنظمة قيادة وسيطرة ودعم لوجستي وأيديولوجية مستخرجة ممّا يسمى "الإسلام السياسي المتشدد" وسوء تفسير تعاليم الإسلام وأحاديث الرسول محمد (صلعم). تم إنشاء أول جيش إرهابي في بداية عام 2012 يحمل اسم تنظيم القاعدة في بلاد الشام- جبهة النصرة. في وقت لاحق من عام 2013، انشقت مجموعة عن القاعدة= النصرة باسم دولة الإسلام في العراق والشام وعرفت بداعش، وهو التنظيم الذي عمل في العراق تحت اسم دولة الإسلام في العراق بقيادة أبو بكر البغدادي الشهير.

في سوريا ظهرت العديد من المنظمات تعتنق أيديولوجيا القاعدة بأسماء مختلفة (جيش الشام، الحزب التركستاني الإسلامي، حراس الدين).

على مستوى العمليات العسكرية، من الواضح أن جيش داعش قد هُزِم في العراق في نهاية عام 2017 وهزم أيضًا في شرق سوريا في نهاية عام 2018. ومع ذلك لا يزال جيش القاعدة منتشرًا في محافظة إدلب في شمال سوريا باسم هيئة تحرير الشام، ويضم في صفوفه 15 ألف مقاتل غير سوري. تجري محادثات على أعلى المستويات بين روسيا وإيران وتركيا لإيجاد نهاية سلمية أو بالقوة لوجود القاعدة بالاشتراك مع الحكومة السورية.

مع نهاية جيوش القاعدة وداعش في سوريا والعراق، تبقى الخلايا النائمة، ليس فقط في هذين البلدين ولكن في معظم دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى والهند وأفغانستان وباكستان وغيرها من البلدان في جميع أنحاء العالم.

ما الشكل الذي ستتخذه هذه الخلايا النائمة؟

1- في أفغانستان، سيتخذون شكل مجموعات صغيرة جاهزة لتشكيل قوة كبيرة قادرة على شن هجمات. سوف يعتمدون على بعض القبائل والشخصيات وعلى فوائد تجارة المخدرات وخصوصًا الأفيون. تحمل طالبان عقيدة القاعدة وقد أظهرت مرونة ملحوظة، ووجهت خلال العام الماضي ضربات كبيرة للجيش وقوات الأمن الأفغانية. تجمع  طالبان بين هجمات المتمردين الإرهابية والعمليات العسكرية التقليدية. عندما تسيطر طالبان على السلطة في أفغانستان أو في أجزاء من البلاد، سوف تستمر في بناء الزخم واكتساب المزيد من القوة ثم توجيه أنشطتها الإرهابية نحو البلدان المجاورة في آسيا الوسطى وإيران وباكستان. إن الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وحركة طالبان للانسحاب الكامل للقوات الأميركية من أفغانستان خلال عام واحد سيظهر قدرة طالبان على استغلال أي فجوة أمنية ومناطق ضعيفة أخلتها القوات الأميركية. هذا يؤشر إلى دور جديد لطالبان في زعزعة استقرار المنطقة، لأن الحكومة الأفغانية لم تكن جزءًا من الاتفاقية.

2- في اليمن، تنشط القاعدة بشكل متزايد في المحافظات الجنوبية، وخصوصًا في حضرموت. مستفيدة من تورط المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في الحرب ضد الحوثيين في الشمال. قامت القاعدة ببناء ملاذات آمنة وإعادة تنظيم صفوفها بشكل مجموعات صغيرة يمكن أن تنمو لتصبح وحدات تشبه جيشًا قبليًّا يتكيف مع جغرافية الصحراء والنسيج الاجتماعي للقبائل. سيكون له هيكل قيادة وسيطرة مختلف عن هيكل الجيش النظامي، لم تتمكن هجمات الطائرات من دون طيار الأميركية من تقويض أنشطتها على الرغم من نجاحها بقتل بعض القادة. لم تتضح نتائج الحرب في اليمن بعد، ومهما كانت هذه النتائج، فإن القاعدة ستكون لاعبًا مهمًا في شبه الجزيرة ومن المرجح أن تشكل تهديدًا لاستقرار وأمن المنطقة.

3- في غرب إفريقيا, تتوسع جماعة بوكو حرام, وهي تحمل أيديولوجيا القاعدة، في نيجيريا والنيجر وكاميرون وتتركز في شمال نيجيريا تنشط على حدود كاميرون والنيجر.

فشلت الجهود الدولية والإقليمية في هزيمة أو إضعاف هذه المنظمات الإرهابية. في النيجر فقدت الولايات المتحدة فريقًا من قوات العمليات الخاصة في كمين أدى إلى مقتل عنصرين من الفريق. لم يسجل أي تنسيق بين دول المنطقة لمواجهة بوكو حرام.

وغير بعيد عن النيجر، تم نشر القوات الفرنسية في مالي بهدف طرد المتشددين الإسلاميين من الشمال ودفعهم إلى الوسط، كما أوفدت الأمم المتحدة قوة دولية قوامها 15 ألف فرد بمهمة مكافحة الإرهاب ومنع انتشاره وضمان الاستقرار وحماية المدنيين.

في المناطق الثلاث المذكورة أعلاه، تتكون القاعدة من السكان الأصليين وأعداد محدودة من القادة من الخارج. بإمكان هذا التنظيم أن يشكل نوعًا من الجيش عند أي تدهور سياسي وأمني ​​في البلدان المذكورة. ومن المرجح أن تبقى الخلايا النائمة والمجموعات الصغيرة على درجة من الخطورة.

4- في سوريا والعراق من المرجح أن تبقى الخلايا النائمة وسيتم تفعيلها لشن هجمات على أهداف مدنية أو حكومية أو عسكرية. قد يصبح غرب إيران مسرحًا للعمليات الإرهابية لهذه الخلايا. وقد يحمل تنظيم القاعدة أسماء مختلفة تتعلق بالانتماء العرقي أو الطائفي للجماعات. يعتمد حجم المجموعة على دعم البلدات أو القبائل أو العشائر التي تتعاطف مع أيديولوجيتها.

5- بالنسبة لداعش، على الرغم من أن عناصرها منشقة عن القاعدة فإنها لا تشكل الأغلبية. في أفغانستان لا تزال حركة طالبان في الطليعة وسيكون لدى داعش خلايا نائمة تشكل خطرًا كبيرًا. يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية أيديولوجيًا على الخلافة، والخليفة البغدادي هو الزعيم السياسي والعسكري والروحي. عندما تخسر "أرض الإسلام", أي الأراضي التي تسيطر عليها, ينتهي شرط الخلافة وتتحول إلى مجموعات كبيرة أو فرق صغيرة من الخلايا النائمة.

6- ستهيمن الخلايا النائمة لكل من تنظيم القاعدة وداعش على عالم الإرهاب في شمال إفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى ودول أخرى. يعتبر مصير المقاتلين الأجانب في سوريا مؤشرًا مهمًّا يحدد اتجاه الإرهاب في أعقاب اندحار جيوش داعش والقاعدة في سوريا والعراق. وهم إما يعودون  إلى بلادهم -هذا أمر بالغ الأهمية للمواطنين الأوروبيين- أو يغادرون إلى دولة ثالثة يتوقع أن تكون هدفًا للإرهاب؟

الحل الأفضل هو إعادتهم إلى أوطانهم وإحالتهم إلى القضاء ليخضعوا لمحاكمة عادلة ونزيهة. يجب أن تتضمن نتيجة المحاكمة معرفة شركائهم ومموليهم وجميع مؤيديهم في السياسة والإعلام. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت حكوماتهم مستعدة للكشف عن هذه الأسرار أو دفنها في الرمال؟

7- لم يحتكر تنظيما القاعدة وداعش عالم الإرهاب. شهد العالم نموًا في الهجمات الإرهابية بطريقة (افعلها بنفسك). لقد ارتكبت هذه الهجمات من قبل أفراد أو مجموعات صغيرة تحمل أيديولوجيا راديكالية. هم يتبنون أساليب المقاومة من دون قيادة وتنفيذ هجمات على الأعداء بوسائل بدائية، طعن بسكين أو إطلاق النار من سلاح فردي أو دهس بالسيارة، وذلك نظرًا لعدم توفر القدرة على تصنيع قنابل أو متفجرات. وقد نفذ مثل هذه الهجمات الزوجان في سان  برناردينو في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية, إلى سائق شاحنة في نيس في فرنسا وهجمات أخرى في ألمانيا وبلدان أخرى. يستخدم الفرد سيارته أو سكينه أو بندقيته كسلاح لارتكاب هجوم إرهابي وحده وفجأة ومن دون أي خطة.

يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية إلى حد كبير على مقاتلين يعملون بشكل فردي للقيام بعمليات في الغرب والتي تبدو معزولة وغير منسقة، حيث تصدر داعش في كثير من الأحيان بيانات صحفية تعلن مسؤوليتها عن هذه الهجمات DIY.

تراجعت الهجمات الإرهابية عام 2018 بسبب الهزائم التي منيت بها داعش والقاعدة في سوريا والعراق اللتين فقدتا جاذبيتهما.

كيف نحارب المنظمات الإرهابية في الثقافة والتمويل؟

8- الثقافة والتعليم

ما دامت الثقافة الحالية سائدة على مستوى التعليم الديني الإسلامي، وقسم من رجال الدين يتبنون أيديولوجية خطيرة، وتواصل مناهج التعليم حث المؤمنين على محاربة الكفار، سيستمر الإرهاب في وجوه وأشكال كثيرة.

طالبان، وتعني باللغة الباشتونية "الطلاب" تتألف من خريجي المدارس الدينية في باكستان وأفغانستان. وهناك مدارس مماثلة تروج للثقافة والتعاليم نفسها في العديد من الدول الإسلامية وفي مدارس دينية في أوروبا وأميركا. من أجل محاربة هذه الأيديولوجية، يجب أن يكون هناك ترويج ديني معاكس يستند إلى التفسير الحقيقي للدين. ينبغي اتخاذ قرار لوقف هذه المناهج من قبل المراكز الإسلامية الرئيسية في مصر (الأزهر) والمملكة العربية السعودية (مكة المكرمة) والعراق (النجف) وغيرها من المراكز في إندونيسيا وباكستان ودول أخرى. المشكلة الرئيسية هي الفتوى، وهي قرار ديني أو حكم تتخذه سلطة دينية معترف بها مثل الشيخ أو المفتي. تتضمن الفتاوى العديد من جوانب الحياة وبعضها تمنح الإذن لقتل أفراد من مذهب أو دين معين أو حتى أشخاص من المذهب نفسه. عادة ما تكون الفتوى الشرعية الدينية أقوى من الحكم الصادر عن محكمة قضائية مدنية. تسمح بعض الفتاوى لشخص ما بتنفيذ أمر بغض النظر عن المخاطر حتى لو أدى تنفيذ العمل إلى موته. جميع الانتحاريين يرتكبون هجماتهم بناء لفتوى.

أمام المراكز الإسلامية قرار حاسم لتعيين الأشخاص الذين يصدرون الفتاوى، وكيف يتم إصدار هذه الفتاوى ومتى.

9- التمويل

مسألة التمويل حيوية من أجل بقاء تنظيم القاعدة وداعش وغيرهما من الجماعات التابعة على قيد الحياة والقيام بنشاطات إرهابية. وعندما يتعلق الأمر بجيوش القاعدة وداعش كما هو الحال في سوريا والعراق وأفغانستان واليمن، فهي بحاجة إلى تمويل بمليارات الدولارات. من أين يأتي هذا المال؟ إن سردية وسائل الإعلام الدولية بأن داعش يموّل نفسه من عائدات النفط بينما تحصل طالبان على أموالها من تجارة المخدرات ليست مقنعة. إذا كانوا يبيعون النفط، أو المخدرات، فمن يشتري والمشتري هو ليس زبونًا عاديًّا بل ممول للإرهاب؟ كيف يتم تحويل الأموال؟ علاوة على ذلك، فإن هذه الأموال لا تكفي لتغطية الرواتب ونفقات المعيشة والطعام والمركبات والوقود والأسلحة والذخيرة والخدمات الطبية. هذا يعني أنه يجب أن يكون هناك شركاء.

في مجال التمويل وتحويل الأموال وتسليمها، لم يفعل المجتمع الدولي سوى القليل أو لم يفعل شيئًا لوقف تدفق الأموال. على سبيل المثال، جمدت الولايات المتحدة أصول البلدان والأفراد الذين وصفتهم بالإرهابيين. ومع ذلك، لم يتم الإبلاغ عن أن النظام المصرفي جمد أصولًا أو تحويلات للقاعدة أو لداعش.

يجب أن تكون هناك شفافية ونزاهة في وقف تدفق الأموال إلى تنظيم القاعدة وداعش.

اندلع في الآونة الأخيرة نزاع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول قوائم المراقبة الخاصة بالدول. اقترحت مفوضية الاتحاد الأوروبي إضافة إلى القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي بعض الدول والهيئات التي لديها فجوات كبيرة في الأطر القانونية المحلية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي المملكة العربية السعودية وأربع بلدان تتمتع بالحماية الأميركية- غوام، ساموا الأميركية، جزر فيرجين وبورتوريكو. بالطبع رفضت الولايات المتحدة مقترحات المفوضية الأوروبية. هذا يدل على وجود فجوة عميقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في التعامل مع مكافحة تمويل الإرهاب. وبالتالي، ينبغي للمجتمع الدولي أن يبحث عن آلية جديدة وفاعلة لوقف تمويل الإرهاب.

 

استنتاج

بينما تنتهي الحرب التقليدية على الإرهاب في سوريا والعراق، لا بد من القيام بالكثير من العمل فيما يتعلق بمراقبة استعدادات الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وأفغانستان وغرب إفريقيا، مع التركيز بشكل خاص على تمويل المنظمات الإرهابية ومراجعة دقيقة للمناهج التعليمية في المدارس الدينية.

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net