Tahawolat

العرب اللندنية - هناك الكثير من التشابهات ضمن البناء أو في العمود الفقري الذي تقوم عليه الدراما، بين الفيلم المغربي البديع “ماجد” للمخرج نسيم عباسي الذي شاهدته مؤخرا عند عرضه في احتفالية مؤسسة عبدالحميد شومان بالأردن، بمناسبة مرور 25 عاما على بدء نشاطها الثقافي السينمائي بإدارة الناقد عدنان مدانات، وبين فيلم “باباي” (أو أبي) وهو العمل الأول للمخرج فيسار مورينا الذي درس السينما ويقيم ويعمل في ألمانيا، وقد شاهدته في عروض مهرجان لندن السينمائي (7- 18 أكتوبر)، وهو من الإنتاج المشترك بين كوسوفو وألمانيا.


في فيلمي “ماجد” للمخرج المغربي نسيم عباسي و”باباي” للمخرج فيسار مورينا اللذين عرضا مؤخرا في احتفالية مؤسسة عبدالحميد شومان بالأردن، بمناسبة مرور 25 عاما على بدء نشاطها الثقافي السينمائي، العديد من نقاط التشابه في البناء الدرامي لكليهما، إذ نجد كلّا من بطليهما طفل يبحث عن والده أو عن والديه بشكل ما.

ففي الفيلم المغربي يبحث ماجد، وهو في العاشرة من عمره، عن تلك الذكرى المفقودة مع والديه، ويصرّ على العثور على صورة لوالديه اللذين فقدهما في حريق عندما كان صغيرا، وهو يقرر رغم معارضة شقيقه الأكبر إدريس، أن يقطع رحلة محفوفة بالمخاطر من المحمدية إلى الدار البيضاء، للبحث عن الجيران القدامى للأسرة لعله يعثر لديهم على تلك الصورة الغائبة التي ستعيد صلته بوالديه الراحلين.


أما في الفيلم الكوسوفي، فيصرّ صبي العاشرة نوري، على الالتحاق بوالده قاسم بريشة الذي هجرته زوجته، قبل أن يقلع عن بيع السجائر في شوارع تلك البلدة الفقيرة في إقليم كوسوفو أوائل التسعينات، أي قبل نشوب الحرب الضارية مع صربيا، ويذهب متسللا بشكل غير شرعي إلى ألمانيا بحثا عن فرصة جديدة للعيش، تاركا نوري في رعاية شقيقه الأكبر الفظ آدم.


وفي حين يهجر قاسم بيع السجائر المهربة الرديئة في الفيلم الكوسوفي، يصبح هذا العمل وسيلة ماجد في الفيلم المغربي، الذي يسعى إلى تدبير مبلغ يكفي رحلته إلى الدار البيضاء مع صديقه العربي الذي يعاني من عنف والده وفظاظته، كما أنه الأكثر قربا من حياة الشوارع بحكم انتمائه إلى طبقة أدنى.



الهجرة


أما العامل الثاني المشترك بين الفيلمين، فيتمثل في طرح موضوع الهجرة، ففي فيلم “أبي” الكوسوفي، يهاجر الأب بحثا عن فرصة للعمل في ألمانيا، وترفض السلطات منحه اللجوء ويرغم على الإقامة داخل مركز مؤقت لإيواء المهاجرين غير الشرعيين تمهيدا لترحيله، حيث يتعرض لمعاملة فظة من جانب المسؤولين ورفض قبول ابنه معه، بدعوى ضرورة تسجيله أولا في قسم الشرطة، ثم خضوعه للاحتجاز في مأوى مؤقت للأطفال.


وفي الفيلم المغربي نرى كيف يتفق إدريس، شقيق ماجد، مع صديق له من المهاجرين في السويد، على اللحاق به في المهجر للعمل في خدمته، مقابل التنازل له عن قسط من راتبه، وكيف أنه من أجل توثيق علاقته بصديقه هذا والحصول على مساعدته لتحقيق حلمه بالهجرة مبديا رفضا واضحا لواقعه، يتنكر في البداية لشقيقه ماجد، ويتغاضى عن إهانته، قبل أن يستفيق ويرفض تعرضه للعقاب على يدي صديقه الذي يتصور أن ماجد سرق تليفونه المحمول، بينما نرى التليفون قد سقط سهوا في صندوق تلميع الأحذية.


فقد اضطر ماجد خلال سعيه لتدبير ما يكفل له السفر، إلى امتهان مهنة تلميع الأحذية، وفي أحد المشاهد الطريفة في الفيلم نشاهد ماجد وهو يقوم بتلميع حذاء صديق شقيقه في وجود شقيقه إدريس الذي يشير له بألاّ يكشف حقيقة العلاقة بينهما.


وفي المقابل فإنّ ما يخفف من وطأة الموقف أن ماجد بروحه الطفولية المرحة، يغمز بعينه لشقيقه بما يعني ألاّ يقلق، ثم تمتد المفارقات في سيناريو مكتوب ببراعة، ويتضمن الكثير من التفاصيل التي تثري الحبكة وتدفع بالموضوع إلى الأمام دون سقوط في التكرار.


ولعل من أفضل عناصر الإخراج في فيلم “ماجد” سيطرة المخرج نسيم عباسي على المواقف والأحداث، حيث يتحكم في ما ينتج عنها من مشاعر، إذ لا تنحرف في اتجاه الميلودراما.


ورغم تصويره الواقعي المقنع لكثير من المواقف التي يتعرض لها بطله الصغير وزميله العربي، وتعكس قسوة الكبار في الشارع واستغلالهم الأطفال والتنكيل بهم والاستيلاء على ما يكسبونه بمشقة، إلاّ أنه يحقق التوازن في فيلمه بتصوير شخصيات أخرى تبدي تعاطفا مع ماجد وتحاول مساعدته وتنويره.


في الفيلم الكوسوفي الحاصل على جائزة الإخراج في مهرجان كارلو فيفاري، يلجأ نوري للتحايل، فيسرق أولا بندقية عمه آدم لكي يبيعها لتدبير مبلغ يكفي رحلته إلى ألمانيا، ولكن المشتري المفترض يستولي عليها منه دون أن يدفع له مليما، بل يوسعه ضربا وتنكيلا، ثم يسرق نوري مبلغا من جيب عمه آدم كان الرجل قد ادخره لتزويج ابنه، ولكن فالنتينا صديقة العائلة، تستولي عليه، ولا تعيد إليه سوى قسط منه، بعد أن يهددها بالضرب بعصا غليظة، ثم يمنحها باقي المبلغ لكي تقبل أن يصحبها إلى ألمانيا، حيث تعتزم اللحاق بزوجها بدري الذي استقر هناك.


وبمساعدة عصابات التهريب يتمكنان من العبور إلى الأراضي الألمانية، وبعد أن يلتحق بوالده عن طريق زوج فالنتينا، يتعرض الاثنان للكثير من المتاعب، يرقدان في الحدائق العامة، يعجزان عن دخول ملجأ المهاجرين بسبب عدم وجود بطاقة هوية لنوري، ويقفزان فوق الأسوار، ثم يشاهد نوري الشرطة تعتقل بقسوة أحد نزلاء المركز، ويرفض بدري تقديم أي مساعدة لهما، ويعتدي بالضرب على قاسم، لينتهي الفيلم والاثنان يمضيان نحو مصير غامض.


وفي فيلم “ماجد” المغربي يتعرض ماجد وصديقه العربي، لسرقة نقودهما من قبل سائق التاكسي الجشع، ثم يقوم الشرطي الفظ بإتلاف السجائر التي يتاجران فيها، ويبتز المصور ماجد ويستولي على كل ما تبقى معه مقابل تحميض الفيلم القديم لصورة والديه الذي يحصل عليه في النهاية، من الجارة القديمة الطيبة.


هناك أيضا الاعتداءات المتكررة على الولدين من قبل شاب عدواني شرس من شباب الشوارع العاطل، وهو الذي سيلقى صديقه العربي في النهاية مصرعه على يديه، بعد أن يقرر العربي أن يدافع عن نفسه وصدّ اعتداء هذا الشخص.



التطرف


يضيف الفيلم المغربي بعدا ثالثا يتعلق بموضوع التطرف الديني، فيقدم صورة للمتشدد الذي يرفض التسامح، ويصف ماجد بالكفر بعد أن يرى أنه لا يذهب للصلاة مع الكبار في المسجد، وفي مقابل صورة المتشدد يقدم نموذجا آخر لرجل معتدل أكثر تسامحا وقبولا لقيم العصر، ثم يقدم صورة بديعة لشيخ المسجد المسن الضرير الذي يعطف على ماجد ويناقشه في مفهومه للدنيا وللدين، بحس صوفي متسامح، ثم يدعوه إلى الصلاة، فينضم ماجد إلى المصلين دون أن يعرف أصول الصلاة، في مشهد تتولد عنه الكوميديا، وبشكل عام لا تغيب الكوميديا عن الفيلم رغم محتواه الدرامي الجاد ونهايته الحزينة.


ينجح نسيم عباسي في تقديم صورة بليغة لقسوة الحياة في المدينة المغربية، وما يتعرض له الأطفال من متاعب سواء داخل المنزل من جانب الأسرة، أو خارجها في الشارع من جانب الكبار عموما، ومنهم ذلك الجار السابق الذي أصبح مشغولا حاليا بتنمية ثروته ولم يعد يقيم وزنا لأحد، بل ويتعامل بغلظة مع ماجد ويطرده بعد أن يصل إلى منزله بمشقة وبعد رحلة حافلة بالمتاعب بحثا عن صورة قديمة لوالديه، هذا الرجل يلقى مصيره فجأة إشارة إلى عبثية ذلك السعي المحموم للتملك.


وإذ يعثر ماجد في النهاية على الصورة التي كان ينشد العثور عليها، يتعين على نوري في فيلم “أبي”، أن يقطع مع والده رحلة أخرى ربما تنقلهما إلى بلد أوروبي آخر، حيث يواجهان مشاكل من نوع جديد.


ولعل من المهم هنا التأكيد على أن فيلم “ماجد” يتفوق كثيرا، في لغته وأسلوبه وبنائه، عن فيلم “أبي” الذي تظل معظم شخصياته سطحية، تتناقض مواقفها وتصرفاتها كثيرا وتبدو بلا تفسير، كما تبدو علاقة الطفل بوالده ملتبسة، فلا نعرف لماذا تخلى الأب عن ابنه؟ ولماذا قبل بوجوده بعد ذلك؟ ولماذا كان سلوك بدري لطيفا مع نوري في البداية، ثم يرفض بغلظة تقديم أي مساعدة؟


وبشكل عام، تنحسر المشاعر في الفيلم وينحو إلى التشاؤم بقدر من التنميط، خصوصا في ما يتعلق بوضعية المهاجرين في الغرب، كما تغيب عنه بسمة الأمل.

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net