Tahawolat
شهد جبل لبنان في المرحلة الممتدة من بداية الحكم العثماني، مع معركة مرج دابق عام 1516 وحتى قيام نظام المتصرفية عام 1861، تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية أنتجت تحولًا في بنية المجتمع وتركيبته السياسية والإقطاعية والدينية، وأسست لقيام الدولة اللبنانية، الديمقراطية في الظاهر، والطائفية في الممارسة والتطبيق، والتي تراعي حقوق الطوائف والمجموعات المكونة له عبر ميزان دقيق، أدَّت محاولات تجاوزه والإخلال به إلى حروب أهلية لا تنتهي إلَا بالرجوع لذلك النظام القائم على التوازنات الداخلية الحامية للخصائص الثقافية والاجتماعية والحقوقية للطوائف اللبنانية.

وهذا التحول في البنية الاجتماعية جاء نتيجة ظروف وأحداث داخلية وخارجية، وتميز بمحطات بارزة ساعدت في هذا التغيير وسرَّعت من وتيرته. وأهم هذه المحطات كانت مرحلة حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني، ومعركة عين داره، ثم الحملة المصرية على بلاد الشام بقيادة إبراهيم باشا عام 1831 إبَّان حكم الشهابيين للبنان، وتدخل الدول الغربية مباشرةً في شؤون المنطقة مع اقتراب حكم "الرجل المريض" من نهايته.
 
لا شكَ أنه كان للأمير فخر الدين الدور الأول في هذا التحول الكبير، واستطاع إلى حدٍ ما إعادة إحياء الإمارة، ونجحت سياسته المنفتحة على الطوائف المسيحية، ودعوتهم إلى ربوع إمارته المنهكة في المساهمة بازدهارها اقتصاديًا بتشجيع الزراعة وإحياء الأراضي المهملة التي حولها القادمون الجدد إلى حدائق وجنائن، فراجت زراعة التوت وازدهرت تجارة الحرير، وأدَّى فائض خيراتها إلى انتعاش الجبل وقيام دولة قوية قادرة على التمدد والنمو. فوضعت الإمارة المعنية اللبنة الأولى لما يسمى اليوم "الجمهورية اللبنانية"، وهي النواة الأساسية لدولة "لبنان الكبير" الذي أعلنه الجنرال غورو في الأول من أيلول عام 1920 من قصر الصنوبر في بيروت بحضور ممثلي الطوائف، بعد ضمّ البقاع والمدن الساحلية الأربع: طرابلس وبيروت وصيدا وصور.

وكان اسم جبل لبنان يطلق على القسم الشمالي من السلسلة الغربية لجبال لبنان ذات الأغلبية المسيحية، في حين يطلق على القسم الجنوبي من هذه السلسلة إمارة بني معن أو "جبل الدروز". ويظهر الجدول التالي التوزع الطائفي لسكان المقاطعات التابعة للإمارة المعنية في القرن السادس عشر استنادًا إلى الدفاتر العثمانية كما يلي(1):
يهودشيعة سنّة                نصارى           دروزالمقاطعة
     _____43.16 %12.67 %38.34 %         5.83 %كسروان والجردين
     _____3.375 %         0.25 %96.375 %المتن
     _____      _____11.64 % _____88.36 %جرد
     _____3.49 %    3.60 %         _____92.91 %غرب
     _____      _____         _____      _____100 %  شوف ابن معن
     _____5.22 %94.78 %               _____     _____إقليم الخرنوب
     _____100 %      _____      _____     _____إقليم التفاح
     _____34.77 %55.58 %      _____     _____ناحية جزين
     _____34.77 %55.58 %9.65 %                _____     ناحية شوف البياض
6.23 %      _____ 93.77 %       _____     _____صيدا                 

 وجاء انتقال المسيحيين من الشمال إلى الجنوب في العهد المعني للأسباب التالية: 
ا - التمدد الطبيعي بسبب الطبيعة الجبلية الواحدة وسهولة التواصل والتلاقي بين سكان المنطقة.
 
ب - التسامح الديني، حيث لم يمانع الدروز من نزول المسيحيين بينهم، وفي المقابل لم تخف الكنيسة من تحول أبنائها إلى الدين الدرزي لعلمها أن باب الدعوة إلى الدين الدرزي مقفل، وهم لا يقبلون مؤمنين جددًا. 

ج – الخلاف المسيحي- المسيحي وجور الحكام الذي دفع البطريرك الماروني يوحنا مخلوف الإهدني لطلب الحماية من آل معن، فحضر إلى مجدل المعوش سنة 1609 وبنى فيها دارًا وكنيسة، وذلك بسبب المظالم الجارية في جبة بشري ومضادة الشدياق خاطر الحصروني له(2). وذكر البطريرك إسطفان الدويهي أنه في سنة 1683 ".. لزيادة الظلم في جبة بشري، ولعدم الوفق بين مشايخ كسروان، توجهنا في أول يوم من أيلول إلى الأمير أحمد بن معن، وضمنّنا من سعادته قرية مجدل المعوش وانتقلنا إليها"(3)، وهو اضطر للخروج من وادي قنوبين خلال فترة توليه الكرسي البطريركي خمس مرات.

د – النقص العددي الدرزي وحاجة الإمارة للأيدي العاملة بسبب حروب الدروز الخارجية والداخلية. خارجيًّا، قامت حملات تأديبية عديدة من قبل المماليك، ولكن أخطرها كانت أيام العثمانيين حين وقعت حادثة جون عكار في عهد الأمير قرقماز، حيث سرقت قافلة الأموال الأميرية المتوجهة برًّا إلى الأستانة واتهم فيها المعنيون، فجردت حملة عسكرية بقيادة الوالي المصري إبراهيم باشا وأسفرت، حسب المؤرخين، عن مقتل ستين ألف شخص، وموت الأمير قرقماز خنقًا في مغارة نيحا. وهذا عدد كبير نسبةً إلى عدد السكان في ذلك الحين. أما داخليًا، فهو استمرار الصراع القيسي- اليمني ووقوع عدة معارك فيما بينهم. ولكن نقطة التحول الكبير كانت معركة عين داره عام 1711 بين القيسيين واليمنيين. وأهم ما ترتب عن تلك المعركة هو نزوح غالبية اليمنيين، الذين هزموا، من الإمارة إلى جبل حوران الذي بات يعرف بجبل الدروز. ونتيجة للنقص العددي الهائل، كان لا بد لهذا الفراغ من أن يملأه أحد،  فحدث التدفق الكبير للعائلات المسيحية القادمة من الشمال. وهذا التمدد، بكل الأحوال، لم يكن غزوًا أو احتلالًا بل جاء بناءً لرغبة الحكَام المحليين في "جبل الدروز"، حيث جرى إشراك الوافدين الجدد في كل المجالات الزراعية والحرفية والتجارية والإدارية إضافةً إلى العسكرية(4).
 
وحين بدأت أجراس الكنائس تقرع، كان حال "الإمارة الدرزية" قد تغير إلى الأبد مع توزيع إقطاعي جديد، يقوم على رأسها أمير وتحكمها عائلات مقاطعجية كانت لها الثروة والسلطة، سيطرت من خلالهما ولمدة من الزمن على منظومة الإنتاج واحتكرت الأراضي الزراعية عبر استغلالها لشركائها الفلاحين من جميع الطوائف. وكان التمييز الطبقي واضحًا بين عائلاتٍ إقطاعية غنية بأملاكها وإيراداتها، وفئات شعبية محرومة من أبسط حقوقها في التملك والتعليم والتقدم. واستمر هذا الفرز الطبقي في السلم الاجتماعي بين أغنياء وفقراء حاملًا في طياته بذور الانقسام في المجتمع نتيجة التنافس بين العائلات الإقطاعية، والمؤامرات التي كانت تحاك فيما بينها بالشراكة مع الأمراء الحكام واستغلال هذا الصراع من قبل ولاة عكا وصيدا والشام.

وتجلى هذا الصراع في نكبة النكديين والانقسام اليزبكي- الجنبلاطي بديلًا عن القيسي- اليمني، ما أدَّى في نهاية الأمر إلى القضاء على نفوذ العائلات الدرزية لصالح الأسرة الشهابية الحاكمة والكنيسة المارونية بسبب تفكك الملكيات العقارية الكبرى ودخول الأديار كمساهم قوي في الحركة الاقتصادية وتوسع نشاطاتها وملكياتها، ونشوء طبقة جديدة قوامها التجار والمتعلمون الذين استلموا زمام الأمور المالية والإدارية للإمارة.
 
ولا يمكن لأي باحث أن يغفل تأثير الحملة المصرية على سوريا ولبنان والتي دقَت المسمار الأخير في نعش الإمارة الشهابية والنظام الإقطاعي برمته، وفتحت الباب واسعًا أمام التدخل الأوروبي المباشر، ومهدت للصراع الطائفي الذي تجلى فصولًا في حركات 1841 و1845 و1860 بين الدروز والموارنة بعد محاولات جريئة سابقة تمثلت بقيام حركات فلاحية ضد تحالف الإقطاع والضرائب المرهقة في عامتي إنطلياس ولحفد عام 1821، حيث نجح التحالف الشهابي- الجنبلاطي في إجهاضها والقضاء عليها. وأضحى الانقسام الطبقي بعد الحملة المصرية انقسامًا عاموديًا طائفيًا، اصطف خلاله الفلاحون خلف زعماء طوائفهم على الرغم مما كانوا يلاقونه من ألوان القهر والذل، وتراكم الديون عليهم لصالح المقاطعجي عامًا بعد عام. وحتى قائد "ثورة الفلاحين" طانيوس شاهين تحول في حوادث 1860 إلى قائد عسكري ماروني زاعمًا أنً عنده 50 ألف رجل تحت الأسلحة عند اللزوم، يحضر بها لنجدة مسيحيي الشوف وإقليم جزين ودير القمر. وبالفعل أرسل فرقة صغيرة قوامها 300 رجل لحماية الأمراء الشهابيين في بعبدا، ولكنه تردد في معونة أهالي زحلة لعدم ثقته بمناعة مركزه بكسروان إذا غادر المنطقة.(5) هذا الانقسام الطائفي مع نهاية الحكم الشهابي جعل من الكنيسة القائد الفعلي للموارنة متمثلة بالبطريرك ومدعومة من الرهبانيات ذات المردود الاقتصادي الضخم والملكيات الواسعة ممهدة الطريق للمطالبة بوطن ماروني مستقل. 

وكان للإرساليات الأجنبية التي قدمت إلى سوريا لهدف سياسي استعماري مزدوج دور ملحوظ في التمهيد لتشكيل نواة "دولة لبنان الكبير". وللأسف لم تستطع، أو لم ترغب، تلك الدول الاستعمارية في أن تقيم دولة حديثة قائمة على مبدأ المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية، بل كرَّست العامل الديني مصدرًا من مصادر التنوع اللبناني مع تقديم الطائفة المارونية على سائر الطوائف الأخرى. وهذا التشكيل الجديد لتكوّن فكرة القومية اللبنانية، المارونية ضمنًا، حمل بذور التفرقة والشقاق عند كل صراع خارجي أو مشكلة داخلية، ليتحول صراعًا طائفيًا مانعًا للإصلاح والمحاسبة للمرتكبين من زعماء الطوائف، وأصبحت فيه الطائفة أقوى من الدولة والولاء للوطن، والطائفية ولّادة للحروب والنزاعات.
  
أما البعثات الأجنبية فكانت اللاعب المستتر، واليد الخفية التي امتدت إلى داخل الدولة العثمانية لتغزو بلادنا فكريًا وثقافيًا قبل الاحتلال الأجنبي المباشر من خلال غزوها لعقول العامة ولتكوين فئة متعلمة تدين بالولاء للدولة الأجنبية التي رعتهم واهتمت بتعليمهم كي يستلموا إدارة الدولة التي يريدون بناءها وفقًا لغاياتهم ومصالحهم.
 
بعد استقرار الأوضاع للمسيحيين في بلاد الشوف والغرب، كان لا بد أن يواكبها حركة دينية كنسية في ظل الحماية والتسامح الديني اللذين وفّرتهما لهم الإمارة المعنية. وكان المسيحيون، نتيجة تربيتهم، متمسكين بممارسة شعائرهم الدينية، وكانت الكنيسة هي المكان الجامع لهم بما تحمله من معاني الإيمان والتقوى وما تقدمه لهم من خدمات كهنوتية قائمة بذاتها وتابعة لأبرشية على رأسها مطران، وهو بالتالي يخضع لسلطة البطريرك المنتخب من المطارنة. وساهم الدروز إلى حد بعيد في وهب الأراضي والمشاركة في تكاليف بناء الكنائس ووقف الأراضي والأملاك لها. ولم تكن تلك التسهيلات أو المنح غالبًا لوجه الله، بل إغراء للشركاء للبناء في أملاكهم والعناية بها وتكون أحيانًا مشروطة باستصلاح أراضٍ جديدة والولاء التام للمقاطعجي، ملتزم الأرض. وكان أبرز المانحين هم العائلات المقاطعجية الكبرى كآل القاضي وجنبلاط وأبي اللمع ونكد وتلحوق الذين قدموا للرهبانيات الكثير من الأراضي لبناء أديرتهم.

وشكلت الرهبانيات والأديرة عامل جذب لمسيحيين آخرين للانتقال والعيش في كل مقاطعات الإمارة كونها تشكل حالة اقتصادية واجتماعية توفر العمل والسكن للقادمين الجدد بعد أن نمت أملاكها وتوسعت نشاطاتها الزراعية والصناعية، إضافةً إلى الخدمة الدينية من قداديس وإرشادات وتعليم الأولاد. أما أبرز الرهبانيات التي عملت أو نشأت مع بدء العهد الشهابي فكانت الرهبانية اللبنانية المارونية والرهبانية الأنطونية والرهبانية المخلصية الشويرية العامرية.

ونتيجة تحول الكنيسة المارونية في القرن التاسع عشر إلى مالك إقطاعي ضخم للأراضي التي بلغت مساحتها قرابة سدس الأراضي المفلوحة والصالحة للزراعة(6)، أصبح نفوذها كبيرًا بين رعاياها الذين باتوا يفوقون الدروز عددًا، وزاد من الوزن السياسي للإكليروس والإقطاعيين الموارنة، مما أثار صراعًا حادًا بين أبناء الطائفتين. ومع عدم وجود قوة مسيحية توازي القوة الدرزية، تحملت الكنيسة مسؤولية قيادة المسيحيين والذود عنهم والتحدث باسمهم. وهي كانت وراء حركتي العامية في أنطلياس ولحفد سنة 1821، وكذلك في ثورة الفلاحين بقيادة طانيوس شاهين عام 1858.
 
وقفت الكنيسة إلى جانب الأمير بشير في صراعه مع الشيخ بشير جنبلاط للتخلص من سلطته وقوة نفوذه، فكان لها ما أرادت مع هزيمة الشيخ بشير وإعدامه في عكا، عام 1825. ويعتبر انكسار الشيخ بشير انكسارًا للسلطة المقاطعجية ونهايةً لمشروعه في إعادة إحياء الإمارة الدرزية من جديد، وبالتالي انتعاشًا لدور الكنيسة وتحولًا اجتماعيًا خطيرًا في الإمارة أدّى إلى تكريس إمارة مسيحية- مارونية في جبل لبنان، بعد أن تحول اللمعيون والشهابيون إلى المذهب الماروني. وإبّان الحملة المصرية على بلاد الشام كان المسيحيون راضين عن تحالف الأمير بشير مع المصريين الذين قدّموا لهم السلاح ووزعوه على رجالهم في القرى، فساندوه في حملته للقضاء على ثورة الدروز عام 1837 الرافضين الانخراط في الجيش المصري. غير أن هذا التحالف المسيحي- المصري انقلب عصيانًا في العام 1840 حين شعر اللبنانيون أنّ عزيز مصر يريد تجنيد جميع اللبنانيين، نصارى ومسلمين، واسترجاع الأسلحة التي وزعها على النصارى إبّان ثورة الدروز(7)، فاجتمع اللبنانيون في عامية أنطلياس ووقفوا ضد إبراهيم باشا وعسكره. 

ومع انسحاب المصريين في العام 1840 وعزل حليفهم بشير الثاني، عينت الدولة العثمانية وبموافقة الدول الأوروبية الأمير بشير الثالث أميرًا على "قبائل الدروز". واستغل الأكليروس الماروني الموقف، فتقدموا من السلطات العثمانية مطالبين بالامتيازات التي يتمتع بها رجال الدين من الروم الأرثوذكس والاعتراف بسلطة البطرك الماروني وألّا يكون الحاكم على لبنان و"أنطيليبان" إلا مارونيًا شهابيًا.(8) وكان البطريرك يوسف حبيش ينوي استبدال الاتحاد اللبناني السياسي والطبقي بالوحدة الطائفية الدينية، والمصالح الطبقية بالمصالح الطائفية وكأنه يريد أن يكون الزعيم السياسي للموارنة.

 
وكانت الكنيسة تلاقي كل الدعم من قبل الحكومة الفرنسية التي وزعت عبر قناصلها الأموال على زعماء الموارنة، من دينيين وزمنيين. وترافق ذلك الارتباط الوثيق بتغريب القرار السياسي لزعماء الموارنة واعتبارهم الفرنسيين ورثة شرعيين للباباوية في "حماية مسيحيي المشرق". يضاف إلى ذلك العلاقة الوثيقة التي نشأت بين ممثلي الدبلوماسية في المنطقة وبين الزعامات المقاطعجية المحلية على اختلاف فئاتها وطوائفها، من دروز وشيعة وسنّة، إلى الشهابيين وآل نصَار وجنبلاط وعماد وخازن وحبيش وغيرهم. ويعود تاريخ الحماية الفرنسية للموارنة إلى العام  1250م حين وجّه ملك فرنسا لويس التاسع رسالة إلى "أمير الموارنة، بطريركهم، مطرانهم، وأمتهم"(9) تعهد فيها بتقديم حمايته وحماية خلفائه لهم. وجاءت الرسالة كعربون تقدير للموارنة الذين زودوا حملة الملك الفرنسي الصليبية بالرجال والعتاد. وساعد فرنسا في تسللها إلى المنطقة كل من النظام الملي والامتيازات التي حصل عليها الأوروبيون من الدولة العثمانية، وتمَ الاعتراف بفرنسا رسميًا في أواخر القرن السابع عشر كحامية للكثلكة اللاتينية. 
 
وبذلك يكون قد اجتمع حول الكنيسة العناصر اللازمة لقيادة الموارنة والمجتمع بناءً على ثلاث رغبات:
 
أولًا، رغبة الأمراء الشهابيين التخلص من سلطة الدروز وهيمنتهم على القرار السياسي حتى في عهد أقوى أمرائهم بشير الثاني الكبير.

ثانيًا، رغبة الموارنة في التخلص من نير الدروز والتمييز الحاصل فيما بينهما، خاصة لناحية الضرائب على اعتبار أنهم يخدمون في جيش الإمارة أسوةً ببقية الطوائف الإسلامية.

ثالثًا، رغبة الكنيسة، بناء على توصيات الكنيسة الأم في روما، بإقامة كيان مستقل للمسيحيين في الشرق تمهيدًا لاستعادة السلطة على بيت المقدس من المسلمين. وهذا ما كانت قد سعت إليه البابوية في روما مع الأمير فخر الدين.
 
كما جاءت موجة البعثات الدينية والإرساليات الغربية إلى الشرق ولبنان تحديدًا في السياق الطبيعي والمتمم لعلاقة الكنيسة بالكرسي الرسولي في روما التي بدأت مع الحملات الصليبية. وحصل أول اتصال بين الكنيسة وأحبار رومية عام 1099 في عرقا(10). وفي بيان رسولي رسمي موجه إلى البطريرك شمعون الحدثي سنة 1515، وصف البابا ليون العاشر الطائفة المارونية "كالورد في وسط الشوك"(11). وتوجت تلك العلاقة بتأسيس المدرسة المارونية في روما على يد البابا غريغوريوس الثالث عشر سنة 1584(12). وكان لجبل لبنان حصة وافرة من نشاط البعثات وأهدافها ونقطة جذب قوية لها بسبب كاثولكيتها من جهة والحضور الفرنسي والعسكري والتجاري من جهة أخرى. هذه العوامل أدّت إلى إلحاق سكان الجبل من المسيحيين الكاثوليك بفرنسا على جميع المستويات وأعطت الموارنة بالتحديد عنصرًا من عناصر القوة الذاتية الداخلية في علاقتهم بالطوائف اللبنانية الأخرى. وتحول الهدف الأساسي لتعليم المرسلين، بعد تداخله في السياسة والتجارة، إلى إعداد "عقول" تتلاءم مع الأوضاع الجديدة، ونخب ستتربع على رأس كيانات التجزئة التي فرضت قسرًا.

بلغ عدد الإرساليات الفرنسية التي توافدت إلى سوريا ولبنان ثلاث عشرة بعثة، وكان أهمها وأقواها اليسوعية واللعازارية والكبوشية. وقد عملت جميعها لترسيخ أفكارها ونشاطها بعدة وسائل، أولها انتشار المدارس والتعليم، وثانيها ممارسة الطب الذي يمكنهم الاتصال مباشرة بجميع فئات المجتمع، وثالثها إكليروس محلي يكون مخلصًا جدًا لهم ولأفكارهم. وما يفخر به اللعازاريون أنهم أكثر الإرساليات مساهمةً في تحقيق انتداب فرنسا على سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى.
 
وحين دخلت البعثات البروتستانتية عبر الحركة التبشيرية الإنجيلية الأميركية الذين وفدوا إلى لبنان عام 1820، واجهت مقاومة قوية من الكنيسة المارونية والفرنسيين مما دعا البريطانيين إلى توجيه اهتمامهم نحو الدروز فأنشؤوا المدارس في المناطق الدرزية ووقفوا إلى جانبهم أثناء الحروب الطائفية في الجبل ووضعوهم تحت حمايتهم مقابل الحماية الفرنسية للمسيحيين.

وحاولت الدول الأوروبية الأخرى، ولأسباب سياسية، إرسال بعثات تبشيرية إلى لبنان وسوريا، غير أن تأثيرها ونشاطها بقيا محدودين، ولم يصل إلى درجة التنافس مع اليسوعيين والبروتستانت، ونذكر منها البعثات الإيطالية والروسية والألمانية. 

أما سياسيًا، فقد ساعدت الامتيازات التجارية التي كانت تمنحها الدولة العثمانية للدول الغربية في زيادة نفوذهم وتدخلهم في شؤون السلطنة الداخلية. والامتيازات هي بالأصل "إنعامات" أو "عهود أمان عامة" يمنحها سلطان مسلم إلى تجار من رعايا إحدى الدول المسيحية دون مقابل. وكان أول "إنعام" أعطي إلى تجار البندقية عام 1535، وتلاهم الفرنسيون والآخرون.

وعند منتصف القرن التاسع عشر تجمعت عدة عناصر أدّت إلى نهاية النظام الإقطاعي واندلاع النزاع الديني أو ما سمي "بالحركات" دام لمدة عقدين مع ما رافقه من مجازر وتهجير. وتلك العناصر هي: أولًا، هزيمة الجيش المصري وانسحابه من بلاد الشام ونفي الأمير بشير الثاني. ثانيًا، هيمنة الكنيسة المارونية على المشهد السياسي بعد أفول العهد الشهابي. ثالثًا، محاولة الإقطاع الدرزي إعادة نفوذه ومكانته بعد الضربات التي تلقاها على يد الأمير بشير وإبراهيم باشا المصري، بعد عودة المنفيين الدروز. رابعًا، تدخل قناصل الدول الأوروبية في الشؤون اللبنانية الداخلية وانحيازها إلى الأطراف المتخاصمين.
 
بعد أحداث عام 1842 الطائفية، اقترح المستشار النمساوي مترنيخ خطة من أجل إعادة التنظيم السياسي في البلد. وعرفت الخطة الجديدة بنظام القائمقاميتين. وقد قسم لبنان بموجبها على طول طريق بيروت- دمشق إلى وحدتين إداريتين، فأدار القائمقامية الشمالية، أو المسيحية، حاكم ماروني، في حين تولى أمور القائمقامية الجنوبية، أو الدرزية، حاكم درزي. وكان الحاكمان مسؤولين تجاه والي صيدا العثماني. لم تحظ تلك الخطة برضا الكنيسة لأنها أضعفت نفوذها في القسم الدرزي، فيما أرضت الخطة الدروز لأنها أعطتهم السلطة المطلقة في مناطقهم وحصرت سلطة كل حاكم في وحدة محددة إقليميًا، ما يمنع تدخل حاكم القائمقامية الشمالية بشؤون الجنوبية وبالعكس. وهذا ما أدّى إلى قيام حركة 1845 وثورة الفلاحين عام 1858 وحركة 1860.
 
كانت حركة 1860 التي بدأت في أواخر أيار وانتهت في أوائل تموز أعنف من سابقتها، حيث قتل الآلاف وشرد مئة ألف بلا مأوى، عدا الأضرار في الممتلكات في القائمقامية الجنوبية والبقاع، ولم تتوقف إلا بعد تدخل الدول الأوروبية وإرسال فرنسا سبعة آلاف جندي إلى بيروت. تبنى الممثلون الدبلوماسيون للدول الأوروبية الخمس والباب العالي في التاسع من حزيران 1861 صيغة الإدارة الجديدة للبنان. وتمَ بموجب هذه الصيغة إعادة تنظيم لبنان تنظيمًا جديدًا تمامًا، وعرف بنظام المتصرفية. واعتبر لبنان إقليمًا عثمانيًا متمتعًا بالحكم الذاتي بموجب ضمانة الدول الست الموقعة. ونجح هذا النظام في منع تكرار العنف وأمّن الهدوء.

لقد جاء نظام المتصرفية لمصلحة الطائفة المارونية. فقد ألغى الامتيازات الإقطاعية، ووحّد الجبل، وحصر مركز الحاكم في مسيحي وزاد من قوة الإكليروس. وبجعله المشاركة والتمثيل السياسيين يرتكزان على أسس طائفية، أعطى النظام الجديد الكنيسة المارونية سلطة واسعة على رعاياها وبسط نفوذها على جميع مستويات الحكم، فكان تاريخ المتصرفية تاريخ السيطرة السياسية المارونية. وأضحى الدروز الخاسرين الأساسيين في التسوية الجديدة، وأصبح مطلوبًا منهم الخضوع لسلطة حاكم مسيحي، والقبول بخسارة مركزهم المسيطر في المنطقة الجنوبية والرضوخ إلى التقسيم الجديد للسلطة. وبغياب قياداتهم لم يكن مستغربًا نجاح الإدارة الجديدة في منع الدروز من تولي أي مركز حكومي حتى أواخر 1863. وفي المقابل، أسس هذا النظام لعودة الأسر الإقطاعية التقليدية إلى السياسة كموظفين حكوميين.

استمر العمل بنظام المتصرفية حتى بداية الحرب العالمية الأولى ودخول السلطنة العثمانية الحرب إلى جانب محور دول الوسط، ألمانيا والنمسا وبلغاريا، وبدخولها أضحت جميع الأراضي التابعة لها في حالة حرب مع الحلفاء بما فيها جبل لبنان. وتسلم جمال باشا قيادة الفيلق العثماني الرابع وأصبح حاكمًا عسكريًا عامًا على سوريا ولبنان، وقام بعدة إجراءات وتدابير خرقت النظام الخاص لمتصرفية جبل لبنان وحاول القضاء على الحركات الاستقلالية تحت ذريعة حالة الحرب. ومن تلك التدابير:
 
أ- حل مجلس إدارة المتصرفية وتعيين مجلس جديد مكانه.
ب – إجبار المتصرف أوهانس باشا على تقديم استقالته وتعيين متصرف تركي مسلم.
ج – إلغاء امتيازات رجال الدين الموارنة في جبل لبنان، وإجبار البطريرك الماروني على طلب الفرمان من الدولة العثمانية.
د – إلغاء الامتيازات الأجنبية.
ه – إقفال الصحف وحل الجمعيات، وملاحقة الوطنيين وسجنهم ونفي بعضهم.
و – إعلان الأحكام العرفية وإنشاء محاكمها في عاليه.
ز - فرض التجنيد الإجباري وأعمال السخرة.

وساهمت تلك الإجراءات في تدهور الحالة الاقتصادية والاجتماعية، فتفشت الأمراض وانتشرت المجاعة بسبب الجراد والحصار الاقتصادي، وزادت نسبة الهجرة.

  وتشكلت في تلك المرحلة جمعيات سرية وعلنية تطالب بالاستقلال عن الدولة العثمانية، ومنها جمعية بيروت السرية، وجمعية النهضة اللبنانية، وجمعية الاتحاد اللبناني. أما أهمها فكانت جمعية بيروت الإصلاحية.
 
في العام 1913 ولدت "جمعية بيروت الإصلاحية" وكانت تضم شخصيات بيروتية من جميع الطوائف المسيحية والإسلامية واليهودية. وتقدمت تلك الجمعية "بلائحة إصلاحية" إلى الدولة العثمانية مطالبةً بالحكم اللامركزي مع استمرار الارتباط بالدولة العثمانية. وفي حزيران من العام نفسه عقد المؤتمر العربي الأول في باريس بدعوة من بعض الجمعيات العربية والطلاب العرب الذين يتلقون علومهم في باريس، حضره وفود من الجمعيات العربية في بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد والقدس ونابلس وسواها، كما حضر ممثلون عن الجمعيات والهيئات الاغترابية في الأميركيتين. وتمثلت جمعية بيروت الإصلاحية في المؤتمر بكلٍ من: سليم علي سلام، أحمد بيهم، الشيخ أحمد طبارة، أيوب ثابت، خليل زينية. وكان هذان الأخيران يؤيدان احتلال فرنسا للبلاد السورية، وقد اشتركا في المؤتمر لاستغلال الحركة العربية المناوئة للدولة العثمانية. وكان يشاركهما في رؤيتهما شكري غانم وشارل دبّاس وسواهما مثل ميشال تويني وبترو طراد ممن سبق لهم أن أرسلوا مذكرة إلى فرنسا طالبوها أن تخلصهم من الدولة العثمانية وتسيطر على البلاد السورية(13).
 
أصدر المؤتمر مقررات ومطالب، منها قيام الدولة العثمانية بإصلاحات حقيقية، وإعطاء العرب حقوقهم السياسية، وإنشاء إدارة مركزية في كل ولاية عربية، واعتماد اللغة العربية كلغة معتبرة في مجلس النواب العثماني. غير أن الملفت هو ما جاء في الفقرة الرابعة، حيث كانت ولاية بيروت قدمت مطالبها بلائحة خاصة ووافق عليها المؤتمر، وهي قائمة على مبدأين أساسيين وهما: توسيع سلطة المجالس العمومية وتعيين مستشارين أجانب. وتعني آخر جملة السماح بالتدخل الأجنبي، ويقصد به الفرنسي.

أرسل المؤتمر وفدًا إلى الآستانة لملاحقة المقررات والتفاوض مع الحكومة العثمانية، حيث قابلت السلطان محمد رشاد وولي العهد والصدر الأعظم. كما قابل السلطان محمد رشاد وفدًا معاديًا للإصلاحيين ومن ضمنه الأمير شكيب أرسلان وأوصى له بضرورة عدم تنفيذ مطالب المؤتمرين العرب في باريس. 
 
وفي النهاية، لم يتم تنفيذ مقررات المؤتمر بحجة بروز موقفين متعارضين من الإصلاحات، وحصول أحداث داخلية، وإرضاء بعض العناصر بوظائف ومناصب عليا، ونشوب الحرب العالمية الأولى.(14)

خلال الحرب العالمية الأولى بدأت الاتصالات بالدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، للتخلص من الحكم العثماني تعم وتقوى، وكان بين المتصلين المسلم والمسيحي. وفي مقدمتهم الشريف حسين الذي قام بالثورة العربية بدعم من الإنكليز بناء على ما عرف بمراسلات الحسين- مكماهون. وفي لبنان أقام عبد الكريم الخليل اتصالات مع الإنكليز لأجل القيام بثورة عسكرية ضد العثمانيين. وأشارت بعض المصادر إلى أن البطريرك الماروني إلياس الحويك "جمع الموارنة لمحاربة الدولة العثمانية في جيش ترعاه فرنسا"(15) كما نشرت صحيفة "لو ماتان" الفرنسية بواسطة مراسلها في لبنان أنَ "البطريرك الماروني أكد لمراسل الصحيفة عن استعداد ستة آلاف مسلح ماروني للعمل يدًا واحدة مع الجيش الفرنسي فور احتلاله الساحل اللبناني".

وكانت التقارير السرية تصل باستمرار إلى جمال باشا وتتضمن تحركات العاملين ضد الدولة العثمانية. وذكر عزيز بك في كتابه "سوريا ولبنان في الحرب العالمية الأولى" أن عدد المتعاملين مع الجيش العثماني بلغ 22 جاسوسًا من أبناء متصرفية جبل لبنان يتجسسون بعضهم على بعضهم الآخر، وقد بلغت التقارير السرية في كانون الثاني 1915 أربعمئة وعشرين تقريرًا، منها مئتان وتسعون تقريرًا أرسلت من أشخاص أرادوا الانتقام من آخرين، وأخرى لا قيمة لها وهي عبارة عن وشايات.
 
ولم يميز جمال باشا بين مسلم ومسيحي، بل اعتقل جميع الذين ناهضوا الاحتلال التركي. وكان الذين أعدمهم في أيار 1916 من الطائفتين، نذكر منهم الشيخ أحمد طبارة وعمر حمد وعبد الغني العريسي وسيف الدين الخطيب وتوفيق البساط، جنبًا إلى جنب مع جورج حداد وسعيد فاضل عقل وباترو باولي وفيليب وفريد الخازن. وفي العام 1917 ظهر اتجاهان معارضان. الأول، اتجاه ودعوة حجازية- سورية مركزها القاهرة، ومن ورائها السياسة البريطانية، وغرضها توحيد سوريا الكبرى في مملكة يرأسها الشريف حسين أمير مكة ويؤيده حزب الاتحاد السوري ومركزه مصر.
 
أما الثاني، اتجاه ودعوة فرنسية- سورية مركزها باريس ومن ورائها السياسة الفرنسية وغرضها توحيد سوريا الكبرى وربطها بفرنسا بشكل من أشكال الإشراف أو الوصاية أو الانتداب وتؤيدها "اللجنة السورية المركزية" (ومركزها في باريس)(16). كما أيدتها "عصبة التحرير السورية اللبنانية" التي أنشئت في العام 1917 في نيويورك برئاسة أيوب ثابت. 

بعد هزيمة العثمانيين وانسحابهم من لبنان وسوريا في أواخر أيلول، دخل الأمير فيصل دمشق وشكَل فيها حكومة عربية عسكرية برئاسة رضا الركابي، فأرسلت مندوبًا من قبلها هو شكري الأيوبي الذي وصل إلى بيروت في 6 تشرين الأول 1918 وأعلن دخول لبنان في ظل الحكم العربي الفيصلي، ورفع العلم على سراي بيروت، ثم توجه إلى الجبل ورفع العلم العربي على سراي بعبدا وكلف رئيس مجلس إدارة الجبل حبيب باشا السعد بتولي الحكومة العربية في الجبل. غير أن وصول الجيش البريطاني والأسطول الفرنسي إلى بيروت بعد يومين، أطاح بالحكومتين بعد أن أعلن الحلفاء أنَ البلاد لا تزال تعتبر في عداد بلاد العدو المحتلة، وأنزلوا العلم العربي عن سراي بيروت وأرسلوا حاكمًا مؤقتًا إلى بعبدا فأنزل العلم العربي عن سراي بعبدا وتسلم الحكم فيها. وبدأ الحلفاء العمل على تنفيذ اتفاقية سايكس- بيكو التي وقعتها كل من بريطانيا وفرنسا في 16 أيار 1916 والتي تقضي باقتسام المناطق العربية شرقي المتوسط على أن يكون لبنان جزءًا من المنطقة التي تحكمها فرنسا حكمًا مباشرًا. وانقسم اللبنانيون بين مطالب باستقلال لبنان في ظل الحماية الفرنسية، وهم من سكان المتصرفية، وموقف سكان الولاية الذي يطالب بالوحدة مع سوريا ويرفض الوجود الفرنسي. ومع انعقاد مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 لتقرير مصير الشعوب، أرسل أهل المتصرفية ثلاثة وفود متتالية مطالبين باستقلال لبنان مع استرداد الأراضي التي سلخت عنه ووضعه تحت الحماية الفرنسية. أما سكان الولاية فكان يمثلهم الأمير فيصل مطالبين بالوحدة السورية. ويمكن استعراض مواقف الأطراف اللبنانية على الشكل التالي:

أولًا، موقف الموارنة: كان الموارنة يتحينون الفرصة لإعلان رغبتهم في إقامة دولة مارونية في لبنان مستقلة كل الاستقلال عن محيطهم العربي والإسلامي. وأخيرًا، حانت الفرصة بعد قرون من خضوعهم للحكم الإسلامي بخروج الجيش العثماني من بلاد الشام بعد هزيمته في الحرب العالمية الأولى على يد الحلفاء. وظهرت مواقف وعلت أصوات مارونية تطالب بقيام الكيان اللبناني والالتحاق بالدولة الفرنسية، حامية الكثلكة في الشرق. وكانت بعض تلك الأصوات، ولفترة قريبة، تطالب بالوحدة مع سوريا ضمن حكومة عربية، ولم تعلن عن رغباتها الحقيقية إلَا بعد دخول جيوش الحلفاء إلى لبنان وسوريا. وكان طبيعيًا أن تقود الكنيسة المارونية، وعلى رأسها البطريرك إلياس الحويك الذي ترأس شخصيًا الوفد الثاني إلى مؤتمر باريس على رأس وفد من الأحبار والكهنة، الفريق المطالب بالاستقلال في ظل الحماية الفرنسية. أما الروم الأرثوذكس فكانوا معارضين للوصاية الفرنسية.

ثانيًا، موقف الدروز: جريًا على عادتهم، ومن باب التقية، للحفاظ على وجودهم عند المحطات المهمة والتحولات التاريخية، ينقسم الدروز إلى فريقين، فريق يناصر القادم الجديد، وفريق يبقى إلى جانب العهد القائم. وبناء إلى ما يؤول إليه الصراع ينحاز الباقون إلى المنتصر بشفاعة الفريق الذي ناصره. ولنا في ذلك أمثلة عديدة، ومنها وقوف أمراء الغرب البحتريين إلى جانب المماليك مقابل أمراء الشوف المعنيين الذين انحازوا إلى الغزاة الجدد، أي العثمانيين، في معركة مرج دابق سنة 1516. وبقي الحكم يتنقل على مر العهود بين الحزبين الرئيسيين، القيسي واليمني، إلى أن زال الحزب اليمني سنة 1711 فانقسم الدروز من جديد بين حزبين جديدين هما "الحزب اليزبكي" و"الحزب الجنبلاطي".
 
وخلال الحرب العالمية الأولى وقف الأمير شكيب أرسلان وأخوه الأمير عادل موقفًا مناهضًا للانفصال عن السلطنة العثمانية، دار الخلافة الإسلامية، وكان الأمير شكيب ضمن الوفد المعارض للإصلاحيين الذي قابل السلطان محمد رشاد. كذلك هاجم الأمير شكيب بعنف في رسالة مفتوحة إلى الشريف حسين نشرتها جريدة سوريا الرسمية متهمًا إياه بوضع أساس دولة عربية تحت حماية إنكلترا، ومعنفًا مرجعيات الثورة لتحريضهم الدروز في الجبل والأزرق للانضمام إليهم ضد الدولة العلية(17). ويروى عن الأمير عادل أنّ الجيش العثماني سلمه عند انسحابه من لبنان مستودعات الأسلحة في صوفر. وقبل دخول جيوش الحلفاء إلى لبنان ذهب وفد من أهالي الجرد الدروز يطالبونه بتلك الأسلحة، فرفض الأمير تسليمهم إياها على اعتبارها أمانة لديه، غير أنَ المشايخ أقنعوه أنَ العثمانيين لن يعودوا وعليه التصرف بها قبل وصول الحلفاء إليها، فنزل عند رغبتهم وغنم أهالي الجرد تلك الأسلحة. وبعد أن أصبح الانسحاب التركي أمرًا واقعًا، ومع دخول الأمير فيصل إلى دمشق والحلفاء إلى لبنان والساحل السوري، وقف أعيان الدروز ومن بينهم الأميران عادل وأمين مصطفى أرسلان إلى جانب الثورة العربية. وحضر عميد العائلة الجنبلاطية نسيب بك جنبلاط إلى دمشق على رأس فريق من حزبه الجنبلاطي، وقابلوا الأمير فيصل في قصره وبايعوه(18). وكان الأميران شكيب وأمين أرسلان مع وحدة سوريا ويعتبران جبل لبنان جزءًا من جغرافيتها. كذلك استقبل جميع الدروز إعلان الجنرال غورو بسخط واستياء وانضم دروز راشيا وحاصبيا إلى الثورة بحماسة. وأعلنت غالبية الدروز الذين استطلعتهم لجنة كينغ- كراين آراءهم في قرية عيناب في العاشر من تموز 1919، تأكيد الوحدة مع سوريا وإقامة وصاية بريطانية عليهم. وأكدوا أيضًا تفضيلهم الانفصال عن لبنان في حال إحالة حق الانتداب على فرنسا. ولم يؤيد الانتداب إلا قسم قليل منهم.  ولكن بعض الفعاليات الدرزية كان ينزع إلى الاستقلال، وهذا ما عبّر عنه الأمير فؤاد أرسلان حين قابل لجنة كينغ- كراين الأميركية(19) عند البطريرك الحويك، حيث قال حين سئل "عن رأيه في مستقبل البلاد فأجابه أنّ غبطة البطريرك يتكلم عني." كذلك كان موقف الأمير توفيق أرسلان الذي اختاره البطريرك الحويك من ضمن الوفد الثالث إلى باريس الذي ترأسه المطران عبدالله الخوري. 

غير أن موقف الفعاليات الدرزية بدأ بالتحول حين اضطرب حبل الأمن في الشوف مع انضمام بعض رجال الجبل إلى الثورة السورية وحدوث عدة عمليات عسكرية ضد القوات الفرنسية. ومن تلك العمليات ما حصل في بلدة بعقلين في آب 1919، حيث نصب الثوار كمينًا للمفوض السامي مسيو جورج بيكو والأميرال مورنه قائد الأسطول الفرنسي في المشرق في طريقهما إلى بيت الدين، وقد جرح الأميرال مورنه جرحًا خطيرًا شفي على أثره. فسيرت فرنسا جيوشها إلى الشوف وأخذت تفتك بالشباب الشوفي فاعتصم هؤلاء برؤوس الجبال وقاموا بشن الغارات على الجند الفرنسي. وانتقمت فرنسا من أهالي مزرعة الشوف حين ضربتها بالمدفعية والقنابل الملتهبة فقتلت أربعين رجلًا وامرأة وهدمت 25 منزلًا. وانتهت حوادث الشوف في تشرين الثاني سنة 1919(20)، ولكنها استمرت في حاصبيا وراشيا وجبل عامل. وكان قد حصل في 7 تشرين الأول محاولة لاغتيال رئيس مجلس إدارة جبل لبنان حبيب باشا السعد في منطقة المناصف عند قدومه من بيت الدين إلى داره في عين تراز عن طريق جسر القاضي، ولكنه نجا دون أن يصاب(21).


وكان الفرنسيون، واقتداءً بالتقاليد العثمانية في تعيين أبناء أعيان الدروز الأكثر تنورًا وتعليمًا، قد عيّنوا  في العام 1919 فؤاد بك جنبلاط قائم مقامًا للشوف لما يتمتع به من سلطة "معنوية" على أتباعه. وانتقل آل جنبلاط من الصف المعادي لفرنسا إلى الصف المؤيد لها للحفاظ على زعامة آل جنبلاط بين الدروز. وفي العام 1921 بلغ التوتر في الشوف أوجه بسبب أحداث جبل الدروز. وتزايد كثيرًا نشاط المقاومة السرية. وتكررت الهجمات على المخافر العسكرية الفرنسية، وإشعال الحرائق والتخريب(22). وبرزت من صفوف المقاومة جماعة شكيب وهَاب من غريفة. وضغط حاكم جبل لبنان المقيم في بيت الدين على فؤاد بك مطالبًا إياه باتخاذ أقسى الإجراءات لتهدئة الوضع. وعمل فؤاد بك جاهدًا لدرء خطر الفتنة الطائفية في الجبل حتى قضى قنصًا في وادي عينبال في 6 آب 1921 أثناء مطاردته للثوار. أما الأمير شكيب أرسلان فكان نصيبه النفي، وأخوه الأمير عادل الحكم بالإعدام غيابيًّا، بسبب مواقفهما المعارضة للفرنسيين. وكان خير من وصَف التحول في موقف الدروز من الفرنسيين هو الأمير أمين آل ناصرالدين عبر جريدته "الصفاء"، حيث كتب في افتتاحية العدد 691 تاريخ 26 شباط 1920 "... إنَ الدروز يعلمون أنَ موقفهم السياسي يقتضي أن يوالوا الحكومة التي تلقى إليها أزمة الحل والعقد أيًا كانت، وأن يخلصوا لها جد الإخلاص، إذا أخلصت معاملتهم وصانت حقوقهم ولم تخفض منزلتهم لأنهم لا يطمعون بأكثر من ذلك..."(23)

ثالثًا، موقف الشيعة: كان جبل عامل، ذات الأغلبية الشيعية، يشكل امتدادا بشريًا وجغرافيًا للمحيط العربي المجاور له في إطار السيطرة العثمانية. ولذلك انخرط العامليون بالحركة العربية الهادفة إلى التخلص من الحكم التركي، فاشتركوا بالمؤتمرات الوطنية وانتظموا في الجمعيات السرية والعلنية. وفي العام 1914 تألفت فروع لجمعية الثورة العربية في صيدا والنبطية وانتظم في صفوفها فريق كبير من أبناء جبل عامل. ومع انسحاب العثمانيين وتشكيل الحكومة العربية في دمشق في الأول من تشرين الأول 1918، رفع العامليون الراية العربية ذات الألوان الأربعة في مناطقهم. ولكن بسقوط دمشق بيد الفرنسيين بعد معركة ميسلون بين الجيشين السوري والفرنسي واستشهاد وزير الدفاع يوسف العظمة في 24 تموز 1920، تنفيذًا لبنود اتفاقية سايكس- بيكو بين الإنكليز والفرنسيين للسيطرة على بلاد الشام، تحولت فرحة الجنوبيين إلى نقمة على المحتلين الجدد ورفعوا راية المقاومة بوجهيها العسكري والسياسي. وانتشرت موجة من الاغتيالات السياسية في سوريا ضد القادة الفرنسيين والزعماء المحليين المتعاطفين معهم، كما هبّت عصابات الثوار في اللبنانية الملحقة وخصوصًا في منطقة جبل عامل. ويشير الباحث سليمان تقي الدين إلى أنَ عدد المشاركين فيها من أبناء جبل عامل بلغ سبعة آلاف ثائر حسبما أوردت صحيفة لسان الحال الموالية للفرنسيين. وتوزع هؤلاء الثوار على أكثر من ست عصابات على أن أبرزها وأخطرها ثلاث هي: عصابة صادق حمزة الفاعور وعصابة أدهم خنجر ثم عصابة محمود أحمد بزي. ونتيجة للحلف الذي قام بين هذه العصابات الثلاث، أصبح صادق حمزة قائدًا للحركة الثورية في جبل عامل. ويقول الشيخ أحمد رضا في مذكراته: "إن الثائرين قد ملكوا ناحية المنطقة وإن الحكومة لم يبق لها أدنى أثر أو سلطة حتى إنَ مأموري المالية والدرك لا يقدرون على التجوال فيها وهي أشبه بالعصيان التام"(24).

وكانت ردة فعل الفرنسيين عنيفة، فقامت بحملات متتالية لمطاردة الثوار، وأعنفها تلك التي قادها المندوب الإداري للمنطقة العربية الكولونيل نيجر وكانت تجسيدًا صارخًا للانتقام الوحشي، الأمر الذي أدّى إلى مقتلة عامة بين الأهالي العامليين وإلى دمار شامل في البيوت ومصادر الرزق بالإضافة للنفي والتشريد باتجاه سوريا وفلسطين. وكان ممن التجأ إلى سوريا صادق حمزة ورفيقه أدهم خنجر. وآية ذلك اشتراكهما في محاولة اغتيال الجنرال غورو وهو في طريقه بزيارة إلى القنيطرة، في الجنوب السوري، التي قتل فيها أمين سره القومندان برانييه وأصيب مرافقه حقي العظم رئيس دولة سوريا.(25).
 
وفي المقاومة السياسية، شارك العامليون في تشكيل حكومات عربية محلية في حواضر جبل عامل (صيدا- النبطية- صور- مرجعيون..) وشاركوا بالمؤتمرات كالمؤتمر السوري الذي انعقد في 2 تموز 1919 ووقف فيه الشيخ عبد الحسين خطيبًا. وكذلك في مؤتمر الحجير في 1920. وجرى لقاء بين وفد مؤلف من مئة ذات ووجيه من جبل عامل ولجنة كينغ- كراين الأميركية، وصرحوا كلهم بلسان واحد برفض الانتداب الفرنسي والانضمام للوحدة السورية وطلب الاستقلال التام الناجز تحت لواء جلالة الملك فيصل الأول لكل سوريا(26).

وخلال الانتداب تجلت المقاومة السياسية في جملة أشكال ومنها:
 
التوقيع على مذكرة أنصار الوحدة السورية التي قدمت إلى الجنرال ويغان.
المشاركة في الثورة السورية التي بدأت في تموز 1925 وعمّت الأقضية الأربعة الملحقة.
الاشتراك في مؤتمرات الساحل، والمؤتمر الذي عقد في دمشق عام 1928. 
 
رابعًا، موقف السنّة: كان موقف السنّة المعارض لقيام دولة لبنان الكبير هو الأكثر وضوحًا وراديكالية، لسببين ديني وإداري. فالدولة العثمانية كانت تمثل الخلافة الإسلامية، وكذلك الحكومة العربية في دمشق، وكان طبيعيًا أن يختار المسلمون السنّة للبقاء ضمن دولة يشكلون فيها الأكثرية وتطبق فيها الشريعة الإسلامية إلى حد ما، وتكون لهم اليد العليا في البلاد. أما إداريًّا، فكان المسلمون السنّة يشكلون الأغلبية في ولايتي بيروت والشام، ولم يكونوا بحاجة إلى المشاركة مع غير المسلمين في إدارة شؤون الدولة والوظائف. غير أن هذا الموقف الداعي للوحدة مع سوريا، والرافض لفكرة قبول المناصب السياسية والإدارية في دولة لبنان الكبير أبعدهم عن مراكز القرار السياسي والاقتصادي. كذلك قابل المسلمون بالسلبية والإضراب دعوة الجنرال غورو إلى إحصاء سكاني، ولم يتراجعوا عن المقاطعة إلا بعد أن قُطع القسم الأسفل من الهوية الذي ينص على أنَ "حاملها لبناني". ورغم عدم مشاركة غالبية المسلمين في الإحصاء الذي جرى في 17 كانون الثاني 1922، أسفرت النتائج عن عدد يكاد يكون متقاربًا بين المسلمين والمسيحيين، مما أثَر في توزيع المقاعد على "المجلس التمثيلي الجديد"، وقد توزعت المراكز طائفيًا على النحو التالي: 10 مقاعد للموارنة، 6 مقاعد للسنة، 5 مقاعد للشيعة، 4 للروم الأرثوذكس، 2 للدروز، 2 للروم الكاثوليك، مقعد واحد للأقليات(27).

وبسبب الممارسات الفرنسية بحق المسلمين، تكونت في بيروت جمعية إسلامية سرية هدفها القضاء على كل مسلم يتعامل مع الفرنسيين بصورة أو بأخرى. وكان من بين أعضائها نور العرب، ديب العرب، عبد خالد. وحين قامت هذه الجمعية باغتيال مدير داخلية بيروت أسعد بك خورشيد في 7 نيسان 1922، اعتقلت السلطات الفرنسية ديب العرب وأعدمته، وكان هذا أول حكم إعدام نفذته السلطات الفرنسية، كما اعتقلت السلطة سليم سلام وصلاح بيهم وسليم الطيارة وحسن القاضي ونفتهم جميعًا إلى قرية دوما في البترون، بتهمة انتمائهم إلى هذه الجمعية مع شخصيات بيروتية أخرى. والجدير ذكره أن هذه الشخصيات كانت تمثل العائلات البيروتية وتقود العمل السياسي في بيروت من زمن الاحتلال العثماني(28).

وحين دعا المفوض الفرنسي الجديد هنري دي جوفنيل المجلس النيابي إلى وضع دستور للبلاد، عقد أعيان الطائفة الإسلامية اجتماعًا في 5 كانون الثاني 1926 في دار جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت وقرروا بالإجماع رفض الاشتراك بسنّ هذا الدستور انطلاقًا من رفضهم الانضمام للبنان الكبير، مطالبين بالالتحاق بالوحدة السورية. وكذلك كان موقف مسلمي صيدا وطرابلس وبعلبك وجبل عامل، وتمايز عن هؤلاء مفتي طرابلس الشيخ محمد رشيد ميقاتي الذي اعتبر أن الرافضين من المسلمين في طرابلس "مهووسون في طلب الوحدة"(29).
 
خامسًا، موقف الأحزاب الأخرى: في العام 1920 لم يكن قد نشأ بعد الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان طبيعيًا بعد نشوئه في العام 1932، ومن منطلق عقائدي وأيديولوجي، أن يرفض ما يسميه الكيانات السورية المصطنعة، وهو الحزب الذي يدعو إلى وحدة الهلال الخصيب والأمة السورية. غير أنه كان لمؤسس الحزب أنطون سعاده مواقف جلية في نظرته لمستقبل سوريا الواحدة ورفضه للانتداب الفرنسي، نشرها عبر مقالات في مجلة "الجريدة" التي كانت تصدر في سان باولو, البرازيل. ففي العدد 34، الصادر بتاريخ 25/6/1921، يتحدث سعاده عن الوحدة السورية ومخاوف اللبنانيين منها. وفي العدد 41 من "الجريدة" بتاريخ 13/8/1921 يتحدث سعاده عن غورو و"الاستقلال السخرية" الذي حصلت عليه البلاد السورية. أما في العدد 47 بتاريخ 1/10/1921 يتحدث سعاده عن الاستعمار الفرنساوي ومحذرًا من الخطر الصهيوني(30).

وظهر في بداية الانتداب تياران كبيران، الأول موالٍ، والثاني مناهض. فظهرت ضمن التيار الأول أولى المحاولات لتأليف حزب سياسي داخل لبنان عبر قيام "حزب الترقي اللبناني". وعقب ذلك الظهور "النادي العربي الماروني في دمشق"، متّخذًا شعار: "من أجل الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان." وأيضًا ظهر "حزب العمال العام في لبنان الكبير"(31) ومن مبادئه:

أ – الدفاع عن علم لبنان المؤلف من الألوان الفرنسية مع الأرزة اللبنانية.
 ب – الدفاع عن السيادة الفرنسية على سوريا.
 ج – إقامة علاقات اقتصادية وتجارية وعلاقات صداقة بين دولة لبنان الكبير وسائر أجزاء سوريا وفرنسا.
  د – الاهتمام باللغتين العربية والفرنسية.
وظهرت ضمن هذا التيار الموالي للانتداب نقابتان، تحمل الأولى اسم "نقابة العمال الزراعيين لجبل لبنان"، بينما تحمل الأخرى اسم "نقابة مزارعي الدامور"(32).

وفي التيار المناهض للانتداب ظهر في مصر في نيسان 1922 "الحزب الوطني اللبناني" برئاسة حبيب البستاني، وكان من أعضائه ميشال زكور، صاحب جريدة المعرض البيروتية(33).
 
أما الحزب الثاني فهو  "حزب الاتحاد السوري" الذي أسسه في مصر لبنانيون وسوريون، مسلمون ومسيحيون، وكان يدعو إلى سوريا الموحدة المستقلة دون أية وصاية أو حماية أو انتداب. وقد دعا هذا الحزب إلى مؤتمر عقد في جنيف صيف 1921، صدرت عنه مقررات في خمسة بنود: 

أ - الاعتراف بالاستقلال والسلطان القومي لسوريا ولبنان وفلسطين.
ب – الاعتراف بحق هذه البلاد في أن تتحد معًا بحكومة مدنية مسؤولة أمام مجلس نيابي ينتخبه الشعب وأن تتحد مع باقي البلاد العربية المستقلة في شكل ولايات متحدة.
ج –  إلغاء الانتداب حالًا. 
د – جلاء الجيوش الفرنسية والإنكليزية عن سوريا ولبنان وفلسطين. 
ه – إلغاء تصريح بلفور المتعلق بوطن قومي لليهود في فلسطين. 
وفي الداخل، ظهر "حزب الاتحاد الديمقراطي" برئاسة داود عمّون رئيس الوفد اللبناني الأول إلى مؤتمر باريس، والموالي السابق للانتداب الذي لم يستفد من المناصب الإدارية. وعلى صعيد النقابات الموالية كانت "نقابة عمال زحلة"، التي دعا إلى تأسيسها المهاجر اللبناني إلى أميركا رشيد سويد(34).

 ومع تعيين الجنرال ساراي، اليساري الاتجاه، مفوضًا ساميًا على سوريا ولبنان، سارع ميشال زكور إلى تأسيس "حزب الشبيبة اللبنانية" أواخر سنة 1924. كما شهدت تلك السنة ولادة "حزب الشعب اللبناني" والذي أصبح فيما بعد الشكل العلني للحزب الشيوعي. وكانت نواة الحزب تضم: إلياس قشعمي، بطرس حشيمي، فريد طعمه، فؤاد شمالي ويوسف يزبك الذي انتخب سكرتيرًا للحزب(35). وكان رفض الأحزاب الاشتراكية للاحتلال الفرنسي منطلقًا من رفضهم لهيمنة القوى الاستعمارية وأنظمتها الرأسمالية.

خاتمة:
تماشيًا مع المثل القائل، "أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا"، وجد المسلمون أنَ ابتعادهم عن السلطة أبعدهم عن المشاركة في تقرير الشؤون الوطنية، وأضعف من نفوذهم في دوائر الدولة، فبدؤوا يتقبلون فكرة "لبنان الكبير"، ويسعون إلى نيل حصتهم كاملة، فطالبوا برفع الغبن الوظيفي عنهم، ودعوا ليكونوا شركاء متساوين في الوطن مع بقية الأطراف. ودعت جمعية اتحاد الشبيبة الإسلامية التي يرأسها محمد جميل بيهم في بيان صادر في كانون الثاني 1932 جميع المسلمين من سنّة وشيعة ودروز إلى تفهم منافع الاشتراك في الإحصاء السكاني الجديد تلافيًا لما حصل من إجحاف بحقوق المسلمين توظيفًا وانتخابًا بسبب تمنعهم عن المشاركة في إحصاء سنة 1922(36). وعلى الرغم من لجوء بعض البيروتيين إلى مناطق الجبل اعتقادًا منهم بأن التجنيد لن يطالهم إذا ما طبق بعد الإحصاء، تبين أن عدد المسلمين بلغ 386469 نسمة، بينما بلغ عدد المسيحيين عامةً 396946 نسمة، وهذا يعني أن عدد المسلمين والمسيحيين، رغم التدخل الفرنسي، كان متساويًا إلى حد كبير(37). ولم يتخلّ المسلمون عامةً عن طلب الوحدة مع سوريا والاستقلال عن فرنسا، بل أبقوها هدفًا مستقبليًا يمكن تحقيقه. غير أن الأزمات المتتالية أظهرت تمايزًا وتمييزًا بين اللبنانيين. 
وكان أهمها الرفض الفرنسي لترشح الشيخ محمد الجسر إلى رئاسة الجمهورية، رغم عدم وجود مادة في الدستور تحول دون وصول مسلم إلى هذا المنصب، فذهب نائب المفوض السامي "ريكللو" إلى تعليق الدستور وحل المجلس النيابي منعًا لانتخابه. وكذلك خلال المفاوضات الفرنسية- اللبنانية حول معاهدة 1936، وأزمة المرسومين 49 و50 اللذين أصدرهما رئيس الجمهورية المعين لفترة انتقالية أيوب ثابت وحدد فيهما عدد النواب بـ54 نائبًا: 32 مقعدًا للمسيحيين و22 مقعدًا للمسلمين موزعين على الطوائف والمناطق الانتخابية. وكان مبدأ أيوب ثابت جعل لبنان وطنًا قوميًا مسيحيًا تضمن سلامته فرنسا.   
ولم يفلح "الميثاق الوطني"، غير المكتوب، الذي أرساه في سنة 1943 كل من بشارة الخوري ورياض الصلح والذي تضمن الاستقلال عن الدول العربية ورفض الوصاية والحماية الأجنبية، في منع الخضّات والأزمات الطائفية الداخلية عند كل أزمة خارجية ومفترق مصيري لكونه بني على أسس طائفية، لا وطنية، تميز بين مواطنيه، وتفرق بالهوية الدينية المناصب والوظائف والمراكز الحكومية، مبتعدة كل البعد عن الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية. وما الأحداث المتلاحقة من الاستقلال إلى يومنا هذا، ومحاولات الإصلاح الهجينة، كاتفاق الطائف، إلا دليل على فشل هذا الكيان المصطنع الذي لا يملك مقومات الوطن المكتمل العناصر اللازمة لنشوء الدولة الحديثة الضامنة للاستقرار والأمن الاجتماعي والمساواة بين مواطنيه.

  الهوامش والمراجع:
1 – عصام خليفة، نواحي لبنان في القرن السادس عشر(1519-1569)، بيروت، 2004، ص136، 150، 154، 158، 162، 166، 170، 174، 178، 182، 190.
2 – يوسف الدبس، الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل، دار لحد خاطر، الطبعة الرابعة،1987، ص228.
3 – اسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، نظر فيها وحققها الآباتي بطرس فهد، منشورات دار لحد خاطر، طبعة ثالثة مصححة، بيروت، بدون تاريخ، ص 571. 
4 – أنور الغريب، التعايش الدرزي- المسيحي في عهد الإمارة الشهابية، دار أبعاد، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2018، ص 81. 
5 – كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، دار النهار للنشر، بيروت، لبنان، 1969، ص 123 و133.
6 – قسطنطين بتكوفيتش، لبنان واللبنانيون، قدمت له الباحثة السوفياتية أ.م. سميليل نسكايا. نقله إلى العربية يوسف عطاالله، راجع النص العربي وقدم له د. معود ضاهر، دار المدى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1986، ص 155. 
7 – طنوس الشدياق، أخبار الأعيان في جبل لبنان، نظر فيه ووضع مقدمته وفهارسه د. فؤاد أفرام البستاني، الجزء الأول، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1970، ص 523.
8 – أسد رستم، بشير بين السلطان والعزيز (1804-1841)، منشورات الجامعة اللبنانية، جزءان، بيروت، 1966، ص 208.
9 – هاني فارس، النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث، الأهلية للنشر والتوزيع، 1980، ص 46.
10 – كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، منشورات كارافان، نيويورك، 1979، ص180.
11 – إسطفان الدويهي، مرجع سابق، ص 387. 
12 – الآباتي بطرس فهد، بطاركة الموارنة وأساقفتهم، ق 16، منشورات دار لحد خاطر، بيروت،لبنان، 2001، ص 116.
13 - حسان حلاق، تاريخ لبنان المعاصر، 1913-1952، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1985، ص 39.
14 - حسان حلاق، المرجع نفسه، ص 41. 
15 – حسان حلاق، المرجع نفسه، ص 46.
16 – حسان حلاق، المرجع نفسه، ص 50.
17 – نايل أبو شقرا، مدارك العقلاء، بيروت، 2018، الطبعة الأولى، ص 171.
18 – نايل أبو شقرا، المرجع نفسه، ص 172. 
19 – تعود فكرة إرسال لجنة كينغ- كراين إلى رئيس الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأميركية) دانيال بلس الذي اقترحه على الرئيس الأميركي ويلسن في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919. 
20 – نايل أبو شقرا، مرجع سابق، ص 189.
21 – لحد خاطر، آل السعد في تاريخ لبنان، دار لحد خاطر، بيروت، لبنان، 1988، ص 277.
22 – إيغور تيموفييف، كمال جنبلاط الرجل والأسطورة، ترجمة خيري الضامن، دار النهار للنشر، كانون الثاني، 2000، الطبعة الثالثة، ص 27.
23 – نايل أبو شقرا، مرجع سابق، ص 178.
24  – حبيب صادق، مقاربات وشهادات في المشروع الصهيوني وسبل مقاومته، المجلس الثقافي اللبناني الجنوبي، الطبعة الأولى، بيروت، 1991، ص 26.
25 – حبيب صادق، المرجع السابق، ص 26. 
26 – حبيب صادق، المرجع السابق، ص 29. 
27 – حسان حلاق، مرجع سابق، ص 113. 
28 – حسان حلاق، مرجع سابق، ص 114. 
29 – حسان حلاق، مرجع سابق، ص 119. 
30 – أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، 1921-1934، مؤسسة سعاده للثقافة، بيروت، لبنان، 2001.
31 – هدى خالد شهاب الدين، الحزب الاشتراكي في الشرق- فرع لبنان، رسالة ماجستير، بيروت، 1981، ص 7.
32 – مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي 1914-1926، بيروت، 1974، ص 278.
33 – هدى خالد شهاب الدين، مرجع سابق، ص 9.
34 – هدى خالد شهاب الدين، مرجع سابق، ص 10.
35 – هدى خالد شهاب الدين، مرجع سابق، ص 12.
36 – حسان حلاق، مرجع سابق، ص 131.
37 – حسان حلاق، مرجع سابق، ص 132.

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net