Tahawolat
يمثل مسلسل “ممالك النار” محاولة عربية لمواجهة توغل الدراما التركية واستئثارها بساحة الأعمال التاريخية دون منافسة، ويتضمن العمل قراءة غير تقليدية للأحداث الزمنية، يكملها إبهار بصري متميز يقف خلفه فريق عمل أجنبي محترف.

أثار المسلسل التاريخي العربي “ممالك النار” الذي تبدأ قناة أم.بي.سي وشبكة نتفليكس عرضه بالتزامن في 17 نوفمبر الحالي، الجدل بمجرد طرح الفيديو التشويقي (البرومو) الخاص به الذي يظهر قراءة مغايرة للمتداول حول الدولة العثمانية وانتصاراتها والأوضاع الإنسانية للشعوب التي خضعت لها.

ويقول كاتب سيناريو المسلسل محمد سليمان عبدالمالك في حديثه مع “العرب”، إن السنوات الأخيرة شهدت غزوا ثقافيا تركيا من بوابة الدراما الجيدة التي روّجت لوجهة نظر أطراف متأسلمة لا تخلو من تزييف وقراءة متحيزة تعكس وجهة نظر مقدّمها وتخدم مصالحه.

وتعتبر الدراما التاريخية مصدرا أساسيا للمعرفة، ما يجعلها تحمل بين أحشائها خطورة حال توظيفها لأغراض سياسية أو حزبية تتلاعب بسياقات الأحداث السابقة لتغييب الذاكرة الآنية، فعقل الجمهور يربط ميكانيكيا الماضي وشخصياته مع قناعاته حول الحاضر.

ويضم مسلسل “ممالك النار” مجموعة من الممثلين العرب الكبار مثل، خالد النبوي ورشيد عساف ومنى واصف وكندة حنا وعبدالمنعم عمايري ورنا شميس وعاكف نجم وياسين بن قمرة، وهو من إنتاج شركة “جينو ميديا” التي يرأسها المنتج الإماراتي ياسر حارب، وتم تصويره في تونس.

ويقول المؤلف المصري لـ”العرب”، إن مسلسله حجر زاوية في معركة شاقة لبناء وعي حقيقي للمواطن العربي نحو تراثه وماضيه، ومواجهة تسويق الدراما التركية للشخصيات العثمانية بصورة ملائكية تخالف الحقيقة، فـ”الفتح العثماني” لم يكن إلاّ غزوا واحتلالا تضمّن مجازر ارتكبتها القوات الغازية في حق الشعوب العربية التي خضعت لولايتها.

ويرى أن كتّاب الدراما العربية اتبعوا منطق السلبية إزاء التمدّد الفني التركي الذي لا ينكر أحد أنه جيد على مستوى الصناعة، وحينما انتبهوا للمخاطر اقتصر سلوكهم على المقاطعة فقط، رغم أن معركة الوعي لا يمكن مواجهتها إلاّ بالوسيلة ذاتها فـ”لا يفلّ الحديد إلاّ الحديد”.


تصحيح للمغالطات


تتضمن المسلسلات التركية مثل “قيامة أرطغرل”، الذي أثنى عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزار مناطق تصويره، نظرة استعلائية بعدما قدّم قبيلة “القايي” التركية وحدها، كمدافعة عن المسلمين إزاء الحملات الصليبية والتترية دون ذكر للمجهود الحربي للعرب مع صلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز.

ويؤكد محمد سليمان عبدالمالك لـ”العرب”، أن “ممالك النار” واجه حالة من التربّص بعد عرض المقاطع التشويقية له من قبل “دراويش العثمانية والحالمين بعودة دولة الخلافة في سلوك متوقّع، فالملعب ظل خاليا من المنافسين للدراما التركية منذ سنوات ولا يريدون أن يشاركهم فيه أحد”.

ورسم مسلسل “حريم السلطان” للسلطان العثماني سليمان القانوني تخيّلا أبعد بكثير عن حياته الخاصة، بتقديم صورة مثالية للدولة العثمانية الذي استمرت أربعة قرون، في محاولة لإعادة تسويق الخلافة عربيا، وبالفعل خلقَ حنينا لها عند البعض بعد تقديمها كدولة قوية تدافع عن الإسلام وينصاع لها العالم.

ويقدّم “ممالك النار” المواصفات البصرية اللازمة للمنافسة بمؤثرات مبهرة ومعارك ضخمة وشخصيات تاريخية مُركبة، ساهم في صناعتها المخرج البريطاني بيتر ويبر، الذي استعان بفريق متعدد الجنسيات في صناعة الديكور والملابس والمكياج من إيطاليا وكولومبيا وأستراليا.

ويشير مؤلف العمل، الذي يعتبر المسلسل أول أعماله الدرامية التاريخية، إلى أن إقبال المشاهد العربي على الدراما التركية سببه غياب البديل، والخطوة تتزايد في ظل عزوف الأجيال الجديدة عن المُشاهدة، أو في أفضل الحالات استيقاء معارفهم من الدراما التلفزيونية، ما يتطلب عدم تركهم لعبة في أيدي الآخرين الذين يزيّفون وعيهم.

ويتوقع أن يثير العمل ضجة أكبر بعد عرض حلقاته الأولى، فحال نجاحه جماهيريا سيفتح شهية المنتجين العرب على تبني المزيد من الأعمال الدرامية التاريخية، ما يهدّد المعادلة التي اعتمد عليها الأتراك في الغزو الفني للمنطقة العربية، والعائد المالي الكبير من تسويق أعمالهم والذي يقدر بنحو 350 مليون دولار.

مراجع تاريخية
توقّف الإنتاج العربي التاريخي منذ مسلسل “عمر” الذي يحكي سيرة عمر بن الخطاب عام 2012، بعدما راهن النقاد على انتعاش تلك النوعية من المسلسلات عام 2005 الذي شهد إنتاج سلسلة من الأعمال مثل “ملوك الطوائف” و“المرابطون والأندلس” و“الظاهر بيبرس” و“آخر أيام اليمامة”.

ويرى عبدالمالك، الذي أصدر من قبل سلاسل روائية عن تاريخ الفراعنة بعنوان “لوتس” وكتب مسلسلات “ولاد الليل” 2007 و“باب الخلق” 2012 و“اسم مؤقت” 2013 و“رسايل” 2018، أن التاريخ العربي مليء بمناطق غير متحدّث عنها دراميا بداية من التاريخ الفرعوني وحتى العصر الحديث، والتي يجب أن يلتفت إليها المؤلفون ويعيدون تقديمها.

ولجأ المؤلف المصري إلى مراجعين للتاريخ للتأكّد من خلو السيناريو من المبالغات والوقائع المشكوك فيها، واعتمد بشكل أساسي على موسوعة “بدائع الزهور في وقائع الدهور” للمؤرخ المصري محمد بن إياس المكتوبة في ستة مجلدات، وكتاب “انفصال دولة الأوان واتصال دولة بني عثمان” للمؤرخ ابن زنبل الرمال، المعروف أكثر باسم “واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني”.

ويشبه “بدائع الزهور” اليوميات، وكاتبه عايش مجموعة من أشهر المؤرخين، مثل المقريزي، وعرف الكثير عن كواليس حكمهم بحكم علاقة والده بالأمراء وموظفي الدولة، أما كتاب ابن زنبل الرمال فأشبه بالسيرة الشعبية المكتوبة بالعامية وتتّسم بقدر كبير من الحيادية، ولم يقترب مؤلفها من دائرة الحكم ولم يمارس السياسة.

كما يثير ابن زنبل في كتاباته صراعا دينيا من نوع خاص حول مشروعية السلاح في الصراع العثماني ـ المملوكي، فالمماليك استنكروا رميهم بالبنادق والمدافع وهم مسلمون يشهدون بالوحدانية مثل الأتراك، ورفضوا في الوقت ذاته استعمال البنادق وفضلوا السيوف بزعم أنها تتماشى مع الشرع.

أكّد محمد سليمان عبدالمالك في حواره مع “العرب”، أن مسلسل “ممالك النار” لم يعتمد على الورش بمفهومها المُعيب الحالي بتقسيم عدد الحلقات على الكتّاب ما يخلق تنافرا في الأحداث، وتبنى مفهوم “غرفة الكتابة” التي تضم جلسات عصف ذهني ومساعدين كل منهم يؤدّي دورا محددا.

واستعان العمل بالشاعر أحمد ندا في مراجعة الحوار للوصول إلى شكل يناسب طبيعية الحقبة التاريخية وتدقيق الأحداث الدرامية، والباحثان صبري الدالي وحسام الهلالي في التدقيق والمراجعة التاريخية، والكاتب أحمد بكر في البناء الدرامي للشخصيات، ووضع تصوّرات عن المعارك.

وتمت كتابة المسلسل على مراحل، بداية من البناء الدرامي والمشاهد وتدقيق الحوار بلغة عربية تراعي الزمن ويفهمها الجمهور الحالي، وتولت شركة الإنتاج إرسال السيناريو مترجما أولا بأول إلى متخصّصين في السينما الأميركية لوضع ملاحظاتهم مع المخرج البريطاني بما يتماشى مع طبيعة العرض على شبكة نتفليكس.

ولا تعتمد الكتابة التاريخية على تسجيل الأحداث فقط، فهناك قراءة بين السطور وتخيّلات عن الأمور التي لم يتم التطرّق إليها، مثل العلاقات بين الشخصيات والصراع في ما بينها، وإشكالياتها تنبع من التعبير عن الواقعة الواحدة بصور متباينة من أطرافها، فرؤية المهزوم تختلف عن المنتصر حتى بات دارجا أن التاريخ يكتبه الأقوياء.

وتحتاج هذه الأعمال إلى إنتاج كبير بأعداد ضخمة من الممثلين والمجاميع “كومبارس”، وتقدّر تكلفة “ممالك النار” الإنتاجية بنحو 40 مليون دولار مع رغبة صنّاعه في إحداث نقلة بصناعة الدراما، فعدد حلقاته لا يزيد على 14 حلقة استغرقت ستة أشهر في كتابتها، وجلسات تصوير على مدار 8 أشهر للانتهاء منها.

صراع متجدّد
سهلت التقنيات الحديثة في المعارك من مهمة إنتاج الأعمال التاريخية وقللت التكلفة، فمسلسل “ملوك الطوائف” تطلب من المخرج حاتم علي جلسات تصوير استمرت أكثر من 300 يوم بين عامي 2010 و2012 لإنجاز معاركه والوصول إلى شكله النهائي.

وركّز العمل أيضا على المجازر وأعمال السلب والنهب التي قامت بها قوات الانكشارية (طائفة عسكرية من المشاة العثمانيين) بحق أهل الشام، ما خلّف رابطة فكرية ونوعا من المقارنات مع الهجوم الذي تشنه القوات التركية على الأكراد في سوريا.

وما يعطي “ممالك النار” مساحة أكبر من الجدل تزامنه مع اعتماد مجلس النواب الأميركي بأغلبية ساحقة لقرار يقضي بالاعتراف بقيام تركيا بارتكاب مجازر وإبادة جماعية ضد العرق الأرمني في عهد السلطان الأخير للعثمانيين عبدالحميد الثاني، وتكرار الاتهام ذاته بشأن العرب يثير حساسيات رسمية لدى السلطات التركية.

ولجأ فريق المسلسل إلى السرية التامة طوال فترة التصوير على غير المعتاد من شركات الإنتاج التي تفضل الإعلان عن بدء التصوير كوسيلة دعائية، ما منح غالبية الممثلين تركيزا أفضل، وأبعدهم عن المعارك الكلامية الدائرة حاليا على وسائل التواصل الاجتماعي حول توصيف العثمانيين كفاتحين أم غزاة.

ويقول المؤلف عبدالمالك، إن مصر شهدت في العصر المملوكي نهضة في الإنشاء والتعمير ببناء الجوامع والمدارس والحمامات الشعبية والقلاع، على عكس الحكم العثماني الذي فرّغ القاهرة من أفضل العمّال والحرفيين في نحو 53 حرفة بعد نقلهم إلى إسطنبول لتوطين صناعاتهم بها.

وفي خضم تأزّم العلاقات بين القاهرة وأنقرة، أثيرت قبل عام، ضجة مع تغيير السلطات المحلية بالقاهرة اسم شارع سليم الأول استجابة لأبحاث تاريخية تعتبر صاحبه مستعمرا قتل الآلاف من المصريين رميا بالمدافع ونهب قصور المماليك بلا رحمة.



المصدر: العرب اللندنية

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net