Tahawolat
في استعراض يجمع المأساة في المضمون، بالزهو والبهاء في الشكل، قدمت وفاء منافيخي مجموعة واسعة من الأعمال التشكيلية.

معرض "أصداء الروح" للفنانة اللبنانية وفاء منافيخي، إشكالية جدلية متعددة الرؤى والعناصر والأبعاد، يجري في غاليري زمان في الحمراء ببيروت، خفتت أضواؤه بلحظات انطلاق الاحتجاجات الجارية حالياً في لبنان، لكنه استمر بمؤثرَين، أولهما، مبادرة من الغاليري بتمديده، والثاني، لأن أصداءه تعالت خارج جدران العرض بما احتوته من مضامين إنسانية، تراوحت بين الألم والمعاناة، وبين الأمل والنزوع نحو التحرر، والانخطاف نحو مجهول يتعارض مع السائد من قواتم الزمن، فكان الإقبال عليه، والتوق لمتابعته دافعاً لتمديد العمل به. 

في استعراض واسع يجمع المأساة في المضمون، بالزهو والبهاء في الشكل، قدمت الفنانة الطرابلسية مجموعة واسعة من الأعمال التشكيلية، طارحة إشكالية التناقض بين المضمون والشكل، في تحدٍ بلغ ذروة تطرفه، وتنافره بالاتجاهات المتعاكسة بين العنصرين حتى حدود التباعد المطلق، دون الانقطاع، لتبقى وحدوية اللوحة قائمة في الأطر التي حصرت فيها المشاعر المقيمة، والرؤى المبتغاة.

ويتدحرج الأسلوب من لوحة إلى أخرى، محافظاً على مناخات متقاربة، لكن في تنوع جمالي، وتقنية احترافية استطاعت أن تتلاعب باللون بين أقصى شفافيته، حتى أقصى صفاقته. بين حرائرية تمسح وجه اللوحة، ولا تحجبها، وعطورية تكاد تنبعث من بين النقاط والخطوط. بين تداخل الخطوط وتعقدها، والأشكال المستخدمة، وبين تساوقها في اتجاهات منسجمة، إن هي إلا تجليات تفجر بركاني لمشاعر كامنة، ومتراكمة، بتراكم التعارض بين المعاناة الموجعة، والتوق إلى الانعتاق نحو الأبهى، وتحقيق الذات.

تعلو غالبية الأعمال كرة هلامية تتراوح لوناً وحجماً وشكلاً بين لوحة وأخرى، تشي بأنها الروح المتصاعدة نحو الأعلى، وتحتها العالم الدنيوي الذي قد يصل حدود المنزل، وأسِرَته حيث يبلغ صراع الأنا، و"اللاأنا" ذروة تأزمه، تتجلى الحالة في أعمال  كــ "تشظٍ" Fragmentation، أو "عقدة فارغة"     Empty Loo، أو "هروب" Escape، أو "صدمة" An Impact، وأعمال أخرى.

وفي العالم الدنيوي، تصل إلى الخارج، أو الجوار، أو المحيط، فتستخدم في الأعمال المكونات القائمة من منازل، وشرفات، وأبنية، وأشياء متنوعة كثيرة، تعكس عالم التقليد بأشكاله الخارجية، عايشته الفنانة، وتفاعلت معه منذ صباها، فأحبته، وتناولته رسوماً براقة، عطرية، شفافة، لكن، وفي مرحلة النضوج، والخروج من عالم الخيال الطفولي الطوباوي، إلى عالم الحقيقة، بدأ التمزق يأخذ مداه المتعمق بين حنين لماضٍ مؤنس، جميل، وتلمس متدرج تصاعدياً لما يعشش فيه من قيم التقليد، في ما بات تعبيراً عن حالة الأسر، وما تخفيه من رغبة للانعتاق. وأكثر ما يتجلى هذا المنحى في اللوحة التي استخدمت غلافاً للدعوة بعنوان "روح مبعثرة" Scattering Soul.  

في "روح مبعثرة" اتجاهان في بعد أفقي، وفيه تفاعل الذات المتصارع مع المحيط، بما يعنيه من خزان لتقاليد البنيان، والبيئة، وعمودي في النظرة إلى الكون الأعلى في لحظة انخطاف مفترضة ومرجوة، لكن موجبها غير متوافر نظراً للغرق في متاهات الحياة على ما يعبر عنه الوجه الانساني، وجسده، في اللوحة كحالة غرق تبدو غير قابلة للإنقاذ.

تتجانس الأعمال في تعابيرها، وفي خطوطها، وتعرجاتها، وانحناءاتها، وتتنوع في ضربات ريشة لا تتردد في مغامرتها، لوناً وحجماً وأشكالاً، في تنوع مهيب، ضاجٍ، صارخٍ، لا يتردد في بلوغ الأقصى، متفتقاً عن مشاعر جياشة، متراكمة في الذات، وتنفجر عند تمكنها من إيجاد ثغرة مهما كانت بسيطة، وضيقة، لكنها غالباً ما تأتي، في لحظة انسيابها، متجانسة مع الروح التي خرجت منها: وحدة نزوع بين المعاناة المتفاقمة، والذات الباحثة عن انعتاق لم يعد منه من مفر لحظة بلوغ ذروة الصراع.

تتجلى روحية الأعمال بأبعاد ثلاثية من معاناة فردية، وجمالية فنية، وتوق إلى الانخطاف نحو الحرية المطلقة التي لا تتحقق إلا في الكون الأعلى، فتتظهر في الأعمال حالة فلسفية معقدة،  يتكثف فيها الشخصي، بالزمني، وبالماورائي.

العناوين متنوعة، لكن جلها متراوح في المناخ عينه من معاناة، وآلام، ونزوع، ومسعى تحرر، يصعب تحقيقه في البعد الزمني، فيتجلى في البعد الماورائي كأنه حالة هروب من مستحيل قائم، إلى ما هو ممكن افتراضي، يمكن اختزال محتواه في الحلم الذي لم يجد مكاناً له بين عناوين اللوحات.

أكثر من لوحة حملت عنوان "صدمة" (Whack)، يمكن قراءة لصراع الرغبة فيها والحلم، وصراع الرغبة والانخطاف.

في "عاصفة" (Storm)، عواصف جلية تتأرجح عليها عناصر القلق، والرعب، ولوحتا "صدى الروح" (Soul Echoe)، نزاع الحياة والموت، و"المجابهة" (Confronting) حيث امرأة في دوامة المجابهة مع قوى مخفية، وهي في ثوب كأنه ثوب عرس يتفسخ، تاركاً للتفسير أن يأخذ مداه في بعد العلاقة بين النصف، والنصف الآخر، بين المؤنث والمذكر، وبين الحلم والحقيقة.

في "اتكاء" (Leaning)، رقصة باليه في دوامة حلزونية تفترض تحقيق حالة الانخطاف إلى العالم العلوي.

في "جنون"، يعبر عنه برؤوس أربعة كل باتجاه، وفي "هجرة روح"، نزوع نحو الهروب، وفي "التماهي" (Camouflage)، ذوبان في الطبيعة والذات الماورائية، وفي "حلقة فارغة" (Empty Loop) نساء شرقيات في ضياع السؤال عن المصير.

عناوين أخرى تتكامل في انسجام روحية عابرة للمعرض بكل أشكاله وعناصره: "أسى"، "خوف"، "سقوط"، "حزن"، وسواها من عناوين بمضامين مماثلة، جريئة في تحديها طارحة إشكالية المرأة، وواقع مرارتها في عالم يمنع عنها النزوع لتحقيق الذات بما أهلتها به الطبيعة، وآلية الخلق.

معرض الفنانة وفاء منافيخي حالة عجائبية من الانتظام والفوضى، من الجرأة والفزع، من القاتم والزاهي، من التعقل والجنون، من الجدل الفلسفي الوجودي، والهروب إلى البساطة.

منافيخي الحاملة للماستر في الفنون الجميلة من الجامعة اللبنانية 2015، أقامت معرضين فرديين متباعدين بين 2003 و2009 في مدينتها طرابلس، وشاركت في 33 معرضاً مشتركاً بين أعوام 1993- في معرض للناشئة في طرابلس، وحتى "المعرض الفني" 2017 في طرابلس أيضاً، وبعض منها في مناطق لبنانية مختلفة.

أهم مشاركاتها كانت عام 2001 في سمبوزيوم لمناسبة القمة التاسعة للفرانكوفونية، بمشاركة 18 فنان فرانكوفوني من كافة أنحاء العالم، واستمر شهراً كاملاً، وعرض نتاجه في الأونيسكو في تلك السنة.

ومن المعارض العالمية، سنة 2016 تحت عنوان "الوجه الآخر"، في أوهايو في كندا الذي نالت فيه تنويه المنظمين، بالإضافة إلى تنويهات مختلفة في معارض أخرى. وهي عضو في "الجمعية اللبنانية للرسم والنحت"، كذلك في "نقابة الفنانين التشكيليين اللبنانيين". 

 


المصدر: الميادين

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net