Tahawolat

تلعب المدرسة وظائف مُتعددة. المختصون في العلوم الإنسانية والاجتماعية يحددونها بثلاث حتى هذا الوقت: نقل المعارف، تشكيل الهوية الوطنية وإكساب القيم والخصال الإنسانية المستدامة مثل السلام والتسامح، والمساواة والعدالة، واحترام الحريات والمعتقدات، ثم الأمانة والصدق في العمل.

هذه القيم في الواقع مرغوبة فضلاً عن أنها مُقدسة وتدافع عنها اليوم المدارس الدينية والعلمانية في المجتمعات الليبرالية والتقليدية على حد سواء. لكن ما نود أن نلفت النظر إليه إلى أن ما تم استثماره في مجال تنمية هذه السلوكيات بأنواعها المختلفة، لم يساعد مجتمعاتنا، بشكل أكثر تحديداً الإسلامية، لتكون أخلاقية بالمعنى الذي نتمناه والذي يتفق مع معايير السلام وتقبل الآخر والعيش المشترك، بدليل اتساع البيئة الحاضنة للفساد والتطرف والعنف، وعلاوة على ذلك انتشار خطاب الكراهية عبر الإنترنت بشكلٍ مثيرٍ للقلق. إذاً كيف يمكن تجاوز نقطة الضعف هذه؟ كيف تستطيع المدرسة أن تشارك بفعالية في تشكيل وتطوير الدستور الأخلاقي في المجتمع؟

المدرسة مكان مميز للطلاب لفهم القيم والأحكام الأخلاقية على المستويين النظري والعملي. ولكن يجب الإشارة إلى أن الإبحار بالطلاب نحو هذا الهدف يُعتبر عملاً تربوياً معقداً وقد أصبح أكثر تعقيداً في السنوات العشر الأخيرة، لأسباب عدة موضوعية منها:

أولاً: الفجوة المُتنامية على المستوى الاقتصادي بين الطلاب وتأثيرها في مقاربتهم لبعض القضايا والسلوكيات.

ثانياً: المناكفات والخطابات المتعددة والمُتناقضة حول المبادئ وما حملت معها من هدمٍ للقواسم المشتركة.

ثالثاً: ارتباط الأجيال الحديثة بالعالم الافتراضي وابتعادهم عن عالم التواصل الحقيقي وما نتج منه من هدرٍ للوقت والخبرة الحقيقية.

في هذا المناخ الاجتماعي شديد التحول، صار من المطلوب أن تُبادر المدرسة بتجديد عملية التربية الأخلاقية وفق منهجية مرنة تقوم على الجمع والتوفيق بين التراث والسياق.

الأخلاق ظاهرة طبيعية في الإنسان أشار إليها الفلاسفة من أفلاطون، الفيلسوف اليوناني الشهير، إلى إبن رشد وجان جاك روسو وغيرهم. وحول الاستثمار بها، دعونا نستذكر من موروثنا الإسلامي هذه النقطة: إن مكارم الأخلاق مطلوبةً وهي ترقى إلى مستوى الفريضة، التي عبر عنها النبي محمد "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق".

هذه المكارم هي معلم من معالم الإنسان المسلم ورفعته وهي أسمى غايات التربية في المجتمعات الإسلامية في كل زمانٍ ومكان. لكن تنميتها وصقلها وتقنينها يجب أن تستند اليوم إلى تربيةٍ تشاركيةٍ تقوم بها جميع مؤسسات المجتمع وفي مقدمها المدرسة.

بهذا الصدد على النخب السياسية التي تصنع المدرسة وتفبرك فلسفتها وأهدافها أن تبادر إلى مناقشة منظور التربية الأخلاقية بروحٍ شجاعةٍ وجديدةٍ على المستوى الوطني، انطلاقاً من حقيقتين أساسيتين:

  • أن الاستثمار في التربية الأخلاقية مسألة إستراتيجية، ومسألة أمن وطني كونه عماد الحفاظ على اللحمة الوطنية.
  • العامل الرئيسي في تقويض الأخلاق الإنسانية هو الخطاب الذي يحمل في مفرداته ومعانيه بذور العنف اللفظي والكره. من هنا يجب العمل على تقويض ومُحاصرة هذا الخطاب والتوجه في الوقت نفسه إلى بناء معايير متوازنة للخطاب في جميع المؤسسات، تستند إلى القانون والمسؤولية والفضيلة والقيم.

أما في مجال العمل المدرسي فيجب أن يُسند الفريق التربوي في كل مؤسسة مدرسية إلى مجموعة قواعد نلخصها بالتالي:

  • القاعدة الأولى: العمل على تطوير خطاب وسلوك الطلاب دائماً من منظور معياري وقيمي. فمثلاً إذا كان العنف سلوكاً غير ملائم في المجتمع فيجب على الفريق التربوي تجنب استخدام الأساليب النابية على المستوى اللفظي والبدني انطلاقاً من معيار أن التربية ترتبط دائماً بأهداف نبيلة، وبالتالي من غير المنطقي استخدام الوسائل النابية في تحقيق الأهداف النبيلة.
  • القاعدة الثانية: تبني التعليم الوسطي للقيم الاخلاقية والابتعاد عن التشدد والتعصب خصوصاً في مناقشتها. على الفريق التربوي أن يتذكر أن الأخلاقيات ليست قضايا مُجردة عن واقع المجتمع ومشكلاته وهي ليست مطلقة أيضاً، لأنها شيء يصدر عن الإنسان وتولد من رحم المجتمع وتراثه وآدابه. من هنا يجب بناء نظام تدريسي ينمي وينشط روح التفكير بالقيم الاخلاقية وتاريخها وطبيعتها سواء كانت أصيلة أم وافدة عبر الإعلام والهجرة.
  • القاعدة الثالثة: الاعتماد، قدر الإمكان، على مناهج التربية الأخلاقية النابعة من تراثنا. لنا في هذا الصدد أمثلة كثيرة وربما الأكثر ملاءمة اليوم هو منهج إبن خلدون في التربية الأخلاقية، والذي يركز على طابع النقاش والإقناع وروح التحليل والمحاجة، ويؤكد على بناء العمل التربوي نفسه على أسس أخلاقية.
المصدر: الميادين نت

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net